قبل أسابيع قليلة، سنحت لمواطني وسط أوروبا فرصة ثمينة للاطلاع على جزء بسيط من سيناريوهات المواجهة المحتملة مع روسيا، هذا في حال تمادت حكوماتهم في تكريس الخيارات الاستراتيجية الجديدة التي تصر موسكو على اعتبارها معادية لها بشكل واضح.
فدون أي سابق إنذار، عمدت روسيا إلى التقليل من كميات النفط التي تضخّها إلى تشيكيا بمعدل بارز، وهو ما ساهم في حبس الأنفاس انتظاراً للخطوة التالية، في ظل ارتباك واضح على الساحة التشيكية بمختلف تفرعاتها، لأنها لم تتمكن من تفسير ما حدث. ولم يتمكن أشد المراقبين جرأة من تبني موقف واضح، في حين حاول أصحاب القرار استيعاب التوتر قدر الإمكان، باعتبار أن توقف الضخ عبر أنبوب «دروجبا» قد تمّ بالتأكيد نتيجة خطأ فني ما.
وللتفسير فقط، كان مفترضاً حسب الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين أن تحصل تشيكيا على 500 ألف طن من النفط خلال الشهر، لكنها حصلت بدلاً من ذلك على أقل من 300 ألف. وبينما ساد الترقّب على الجبهة التشيكية، أعلنت روسيا على لسان رئيس وزرائها فلاديمير بوتين أنها ستعوّض النقص في الفترات التالية، لكن ذلك لم يحدث بشكل سريع كما أمل كثيرون بل استغرق وقتاً أطول، وهو ما ساهم في تمديد حالة الترقب والحذر على الصعيدين الاقتصادي والسياسي.
الفريد في ما جرى ولا يزال، لم يكن الموضوع التجاري ـ الاقتصادي من المسألة، بل البُعد السياسي الذي ألقى بظلاله القاتمة على المشهد العام بشكل فوري وحاسم. ولعلّني لا أبالغ إذا قلت إن ثمة أيضاً بعداً عسكرياً ـ استراتيجياً لما رصدناه، انطلاقاً من حقيقة أن النفط والطاقة باتا يشكّلان حجر الزاوية في أية لعبة لشد الأعصاب قد يلجأ إليها طرفا الأزمة في الوقت الحاضر.
لقد حذّرت البعثة الأوروبية في السابق من مغبة التساهل مع موضوع أمن الطاقة، وطالبت بإيلائه الأهمية القصوى في أية خطط استراتيجية طويلة الأمد، انطلاقاً من الحقائق الصارخة التي تعكسها الأرقام المتداولة بخصوص كميات النفط والغاز الطبيعي التي تصدّرها روسيا إلى تلك الدول، والذي يجعل من الأخيرة لاعباً أساسياً على الصعيد الأوروبي تحديداً.
وهنا تكمن خطورة ما يجري في العلن والكواليس معاً، ففي الوقت الذي يصر فيه الاتحاد الأوروبي على تبنّي سياسة خاصة لتنويع مصادر استيراد المواد الاستراتيجية للطاقة، فإن ذلك الإصرار يبدو مضاعفاً لدى الدول الأعضاء التي كانت تدور سابقاً في الفلك السوفييتي، مثل تشيكيا وبولندا، والتي قررت تأكيد انتمائها الغربي من خلال السماح للولايات المتحدة باستخدام أراضيها لبناء قواعد عسكرية.
في الواقع، ما ساهم في تعزيز ذلك الإصرار خلال الأيام القليلة الماضية وتالياً مخاوف الدول المعنية، هو سلسلة المؤشرات التي تتفاوت الآراء في تقييمها ومدى اعتبارها مقصودة أم لا. أبرز تلك المؤشرات تجسّد بالتزام القيادة الروسية الصمت لفترة من الوقت حيال ما جرى، مفسحة بذلك المجال لكثير من التكهّنات التي تقاذفها الرأي العام المحلي يميناً وشمالاً.
ولعلّ أكثر ما لفت انتباهي في هذا السياق هو ما أشاعه بعض المراقبين المحليين بأن القيادة الروسية لم تهدف من خلال «الإغلاق المؤقت لصنبور النفط» وتالياً من صمتها المدوي، سوى هز العصا للدول الراغبة في استضافة الدرع الواقية من الصواريخ المعادية، وخصوصاً تشيكيا التي دأب مسؤولوها في الآونة الأخيرة على استخدام لهجة قوية في القاموس الدبلوماسي، لتأكيد سيادتها وحقّها في استضافة ما تراه مناسباً، حتى لو أدّى ذلك لتوتير الأجواء مع موسكو.
فهل قامت موسكو فعلاً بهز العصا من خلال هذه الحركة أم أن ما جرى لم يكن سوى خطأ فني بريء وغير مقصود؟
أعتقد شخصياً بأن خواتيم التحليل في كلتا الحالتين تلزم المعنيين في وسط أوروبا ببدء الأخذ بعين الاعتبار كل الاحتمالات الجدية لأية تبعات مستقبلية على ما يجري رسمه في المنطقة من تحالفات، لأنها سترتبط بلا شك بالحسابات العسكرية المختلفة التي تتطور يوماً بعد يوم.
وكما تشير ردود الفعل الأولية التي يتم تناقلها بين وقت وآخر، فإن تلك الحسابات لن تقف عند حدود التصريحات والتصريحات المضادة، بل ستنتقل حتماً إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، والذي يتمثل عادة بردود الأفعال العسكرية التي تتبناها الدول العظمى، مثل نصب الصواريخ المضادة وما شابهه.
هذا لا يبدو حلماً أو أمراً مبالغاً به على الإطلاق، وهو على الأقل ما ذكرته موسكو بوضوح أخيراً، عندما أعلن قادتها العسكريون عن حتمية تبنّيهم لما وصفوه بالخطوات المناسبة التي يتطلّبها عمل خطير بحجم بناء قاعدة رادار أميركية في تشيكيا، ونصب للصواريخ الملحقة بالدرع الواقية في بولندا.
انطلاقاً مما سبق يبدو أن الدول المعنية في الاتحاد الأوروبي ستحث الخطى خلال الفترة المقبلة، لبدء تنفيذ خطة الدفاع الاستراتيجي التي دعت لتبنّيها منذ فترة، والتي تقضي في مراحلها الأساسية بالعمل من أجل تحرير نفسها من مسألة الاعتماد على مصدر وحيد للطاقة، مقصود به روسيا تحديداً، وذلك لاعتبارات كثيرة مرتبطة بالتاريخ والجغرافيا السياسية والطموح السلطوي وغيره.
وإذا استثنينا الاعتبارات التجارية أو الاقتصادية البحتة، فإن طموح الاستقلال النفطي وغيره لدى بعض الدول التي انضمت أخيراً إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، إنما ينبع من رؤيتها الخاصة لضرورة تحررها من أية قيود سياسية قد تُفرض عليها في المستقبل، لمنعها من الإمعان في تغيير أولوياتها الاستراتيجية الموالية للغرب. وحسب المعتقدات السائدة لدى هذه الدول وغيرها، فإن الطاقة وسيلة مهمة لممارسة الضغط وفرض التغيير، وأي منبع مهم للطاقة، روسيا أم غيره، لن يتردد حتماً في استخدام هذا السلاح الفتّاك، للدفاع عن مصالحه الاستراتيجية المحاصرة.
كاتب لبناني
