اتصل بي أحد الأصدقاء، تعقيباً على ما كتبته حول دور دولة قطر الشقيقة في حل الخلاف اللبناني اللبناني بتاريخ 3/6/2008 تحت عنوان «عندما يفشل الآخرون وتنجح قطر»، فقال إن الأمر الآن بيد اللبنانيين، ويعتقد أنه مع مرور الأيام ستتوحد آراؤهم أكثر وأكثر ويسيرون على الطريق الصحيح.
لكنه تساءل كمعظم الشعب العربي عن الدور العربي لحل المشكلة الفلسطينية التي قال إن العرب في الأساس طرف فيها، وبالذات الدول المجاورة التي شاركت في حرب 48 ضد الصهاينة، فهل يحتاجون إلى أكثر من 60 سنة لتوحيد رأيهم وإيجاد حل للقضية الفلسطينية، أو على الأقل أين هم اليوم من الخلافات الفلسطينية الفلسطينية، ولماذا لم تبادر هذه الدول بمبادرة جادة ومنصفة لحلها، أم كما قلت في مقالك السابق لم تتلقى بعد الضوء الأخضر من السادة؟؟!!
من هنا أبدأ موضوع اليوم، فمنذ نكبة 48 مروراً بنكسة 67 والتاريخ يؤكد أن الفلسطينيين اعتمدوا على العرب للرد على اعتداء الصهاينة عليهم، فجاءت النكبة وفصلت الضفة وقطاع غزة عن الوطن العربي الأم، ولم تجد مجموعة كبيرة من الشعب الفلسطيني مخرجاً أمامها إلا اللجوء إلى الأراضي العربية المجاورة، وأصبح الجزء المنفصل، أي قطاع غزة والضفة، تحت سيادة وإشراف دولتين عربيتين، وبقي الشعب الفلسطيني في انتظار التحرير الموعود به من العرب، إلى أن جاءت نكسة 67 فاحتل العدو مرة أخرى هذين الجزأين.
وبعد سنوات من النكسة عاش العرب نشوة الانتصار المزعوم عام 73 الذي لم يقدم أي حل للمشكلة الفلسطينية، مع أنه كان فعلاً أول انتصار عسكري عربي، إلا أن نتائجه السياسية كانت أسوأ من النكبة والنكسة، وكانت له عواقب وخيمة على العرب خاصة الفلسطينيين، حيث بدأ التقرب العربي من إسرائيل دون أدنى اعتبار للقضية الفلسطينية التي بدأ التنصل منها شيئاً فشيئاً، وأصبح العرب كل في طريقه يسعى لحل مشاكله الحدودية أو السياسية مع إسرائيل التي أصبحت واقعاً لا يمكننا تجاهله، بينما أضحت القضية الفلسطينية قدراً لا يمكن تغييبه.
ولم تتضمن الاتفاقيات الموقعة بين العرب وإسرائيل أي ذكر للأراضي الفلسطينية المحتلة أو لقضيتهم، وكأنهم لم يكونوا سبباً في أسباب ضياعها وطرفاً أساسياً في احتلالها، أو كأنهم لم يكونوا عرباً أو مسلمين، ورضوا بأن يبقى الوضع كما هو عليه، كأنه أصبح لا يعنيهم!!
هكذا استمر الحال لسنوات إلى أن جاءت المقاومة بإمكانياتها المتواضعة والبسيطة، لكن بإرادة رجالها ونسائها، ووضعت لأول مرة في التاريخ إسرائيل في موقف حرج، بعد أن تركهم العرب يواجهون مصيرهم وحدهم، ثم تطورت الأحداث وتخلى العرب كلياً عن واجباتهم تجاه الشعب الفلسطيني، وأصبحوا يتعاملون معه ومع المحتل بأسلوب واحد وبمنتهى الحياد، والظاهر أن الأمور سوف تتطور لصالح العدو!!!
وتركوا الشعب الفلسطيني ومقاومته يواجهون العدو بكل جبروته وقوته، إضافة إلى الدعم الدولي له، دون حرج أو خجل، وليتهم تركوه ليواجهوه ولم يتدخلوا، لأنهم حتى بحيادهم يحاولون الضغط على المقاومة لصالح إسرائيل.
وهذا الأمر أصبح مكشوفاً من خلال بعض التصريحات على القنوات الفضائية، أو من خلال ما نشاهده على الحدود العربية الفلسطينية، في الوقت الذي يزداد فيه التعاطف العالمي مع الفلسطينيين ويزداد فيه الوضع الداخلي الإسرائيلي سوءاً، وحسب تقارير نشرت مؤخراً في وسائل الإعلام الإسرائيلية فإن التخوف يزداد من أن زوال إسرائيل قد يكون وشيكاً.
وحتى لو كان نشر مثل هذه المواضيع والتقارير هو لكسب الرأي العام العالمي بعد أن أصبح يميل أكثر للطرف المظلوم وهو الطرف الفلسطيني، فقد كان على العرب استغلال ذلك ومحاربة إسرائيل، على الأقل اقتصادياً ونفسياً، بدلاً من دعم اقتصادها في الخفاء كما تفعل بعض الدول العربية وكأن ذلك سر تخجل منه، أو ربما لعدم جرح شعور الشعب الفلسطيني الذي يعيش حالة صعبة في التفكك والانقسام!
والسلاح الذي كان من المفروض أن يقاتل به العدو يستعمل الآن للاقتتال فيما بينهم، والاتهام بالخيانة والعمالة والتآمر، أصبح من أهم صفات هذه المرحلة التي لم يعرفها التاريخ الفلسطيني من قبل. في الوقت نفسه لا تتوانى إسرائيل عن التأكيد في كل مناسبة أن القدس عاصمة إسرائيل، ولن تكون هناك دولة فلسطينية، وهذا ما تجسده على أرض الواقع من قتل الأبرياء وعدم التفريق بين شاب وعجوز، وبين امرأة وطفل لأنها لا تستثني أحداً إلا من يطيعها ويبيع لها العزة والكرامة مقابل رضاها!!
فماذا بعد كل هذا؟ هل على الشعب العربي والفلسطيني بالذات أن يستعد لما هو أسوأ من النكبة أو النكسة؟
هذا هو المتوقع بعد أن أصبح البعض يقول إن الوضع الفلسطيني على حاله منذ 60 سنة إن لم يكن أسوأ الآن، فماذا نستطيع أن نفعل لهم نحن العرب ونحن بهذا الضعف؟ فيما مضى كنا أمة قوية تجمعنا راية واحدة، ووصلنا إلى أوروبا وآسيا وإفريقيا تحت لواء قيادات يذكر التاريخ أمجادها حتى يومنا هذا، فأصبحت شعوب العالم تهابنا وتحترمنا وتتعلم منا.
أما الآن فوصلنا إلى هذا الانكسار والضعف في ظل قيادات بعضها لا يهتم إلا بمصالحه الشخصية، ولا يؤمن حتى بقدرات وإمكانيات شعبه. هل هذه هي بداية النهاية، أم نهاية الضعف وبداية الصحوة؟
كاتب إماراتي