العراق وأفغانستان لن يكونا آخر الحروب الأميركية، طالما بقيت العسكرة هي الطابع الغالب على ثوابت السياسة الدولية للولايات المتحدة مع تعاقب الإدارات والرئاسات.

لكن لماذا تتخذ العسكرة هذه الغلبة الثابتة؟ من الوهلة الأولى تبدو الإجابة عن هذا السؤال سهلة ومباشرة، وهي أن غلبة العسكرة في الولايات المتحدة هي من غلبة نفوذ الجنرالات والمؤسسة العسكرية، وأن المؤسسة العسكرية تستمد هذا النفوذ من سيطرة كبرى شركات صناعة الأسلحة على الاقتصاد الوطني الأميركي.

من هنا تكون المعادلة كالتالي: عن طريق جنرالات البنتاغون يفرض ملوك الصناعة العسكرية على أي رئيس أميركي شن حروب خارجية من حين لآخر، من أجل الترويج لمنتجات مصانعهم.. وهي منتجات تدميرية بطبيعة الحال، من البنادق الرشاشة إلى الطائرات والصواريخ عبوراً بالدبابات. وكلما طال أمد الحرب ما كلما تضاعف عدد العقود التي بموجبها تقوم وزارة الدفاع بشراء المزيد تلو المزيد من منتجات الأسلحة.

لكن هذه ليست إجابة نهائية. فالعنف العسكري ظل عنصراً أساسياً للولايات المتحدة منذ نشأتها كدولة موحدة. هكذا يفيدنا التاريخ القريب. في أواخر ثلاثينات القرن الماضي ألقى الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر خطاباً مطولاً على البرلمان الألماني، للرد على انتقادات وجهها إليه رئيس الولايات المتحدة آنذاك فرانكلين روزفلت.

كان هتلر منذ تسلمه السلطة في عام 1933 منهمكاً في تنفيذ برنامج لاستعادة الأراضي الألمانية التي اقتطعت قسراً بواسطة القوى الغربية، بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى. وفي رسالة إلى هتلر، انتقد روزفلت الأسلوب الألماني لاستعادة الأراضي بالقوة المسلحة.

ورد هتلر على الرئيس الأميركي قائلاً إن الصراع بين الشمال والجنوب في الولايات المتحدة لم يحسم إلا بالقوة، وأن القوة المسلحة كانت الوسيلة الأميركية الوحيدة لإبادة السكان الأصليين ـ الهنود الحمر. العنف المنظم هو إذن الإرث الأعظم في التاريخ الأميركي الذي لا يزال يفرض نفسه في الحاضر. وطالما بقيت أميركا أسيرة لهذا الإرث، فإن العالم لن يسلم من حروب أميركية لا تنتهي.

opinion@albayan.ae