من جديد تفصح بعض الممارسات عن أن هناك من لم يستوعب حتى الآن أن العملية الديمقراطية تحكمها العديد من الضوابط والأسس الناظمة التي لا ينبغي لأحد تجاوزها أو انتهاكها تحت أية مسميات وسواء أكان أولئك يجهلون فعلاً هذه الحقيقة أو يتجاهلونها عن قصد بهدف تمرير بعض مآربهم.

فلا بد وأن يدرك هؤلاء أنه ليس من شروط الديمقراطية ولا حرية الرأي والتعبير الإتيان بممارسات تندرج في إطار أعمال الفوضى والتخريب وإقلاق السكينة العامة والإساءة للوحدة الوطنية وإثارة الفتن باعتبار أن أعمالاً كهذه تتصادم كلياً مع المضمون الديمقراطي وقيمه ودلالاته السلمية، فضلاً عن أنها أعمال يجرمها النظام والقانون.

وعليه فإن الواجب على أولئك الذين يقومون بتهييج الشارع عن طريق المظاهرات والاعتصامات غير المرخصة، أن يفهموا جيداً أن الدولة وإن كانت قد تعاملت مع هذه المظاهر الفوضوية من منطلق التسامح، فإنها وأمام ما يبدونه من إصرار على المضي في غيهم صارت مطالبة من قبل أبناء المجتمع بممارسة مسئولياتها الدستورية في التصدي لأية خروقات للأنظمة والقوانين ووقف التصرفات التي تستغل الديمقراطية في خلق أجواء التأزم وتسميم الحياة السياسية خاصة وقد ثبت بالبراهين القاطعة أن من يحرضون على الاعتصامات والمظاهرات غير المرخصة إنما تحركهم عناصر حاقدة على اليمن وثورته ووحدته وتجربته الديمقراطية.

وبالتالي فليس من المعقول أو المقبول استمرار التغاضي عن تلك التجاوزات ومن يحرضون عليها من ضعاف النفوس، الذين ارتضوا لأنفسهم القيام بمثل ذلك الدور المشبوه مقابل ما يحصلون عليه من المال المدنس، دون شعور من هؤلاء بأن من يبيع نفسه ويعلن العداء لوطنه ومجتمعه لا يمكن أن يكون بغير تلك الصورة المشوهة والانتهازية التي عرف بها مهما تلونت أقنعته وتعددت أنواع المساحيق التي يستخدمها.

والأجدى لهؤلاء وأمثالهم أن يعلموا أنهم إذا ما أرادوا البروز أو أن يكون لهم دور، فإن عليهم إعادة تصويب سلوكياتهم وتصحيح مواقفهم حتى يتسنى لهم الالتحاق بركب الديمقراطية، بعيداً عن ذلك الانقطاع الأخلاقي والقيمي، الذي دفع بهم إلى الإمعان في الخطأ والخطايا، خاصة بعد فشل كل ما راهنوا عليه أو ما كانوا يحلمون بحدوثه في هذا الوطن، كما أن عليهم إدراك أن مراجعة الذات والمصالحة مع النفس هما الكفيلان بإيقاظ ضمائرهم وإعادتها إلى جادة الصواب.

وما لم يحسنوا استغلال الفرصة المتاحة أمامهم للأوبة عن تلك المحاولات العبثية فإن العواقب ستكون وبالاً عليهم لأن القانون سيطالهم والعدالة ستأخذ مجراها بحقهم ليكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه العبث أو التمادي على أمن الوطن وثوابته واستقراره وسلمه الاجتماعي، وعلى تجربته الديمقراطية التي ترسخت مداميكها وصارت أصلب عوداً ومنعة، وأكثر قدرة على إفشال دعاوى الزيف وتعرية الأصوات الناعقة بالخراب وكشفها وفضح مرامي أصحابها.

فهل يراجع أولئك المأزومون أنفسهم، ويتراجعون عن مواقفهم المحتقنة، أم أنهم قد عميت أبصارهم وتعطلت حواسهم فصاروا لا يميزون بين الحق والباطل؟

ذلك هو السؤال!!