منذ عام 1971 عندما اصدر صندوق النقد الدولي ما عرف بـ(حقوق السحب الخاصة) وذلك الاجراء جاء ليقلص الاعتماد على الذهب كمعيار قياسي لعملات والاعتماد على الدولار الامريكي الذي تم تعويمه عام ،1976 لتسهيل تداوله في التجارة العالمية، وبفضل قوة وضخامة الاقتصاد الامريكي، احتل الدولار الامريكي مكانته كعملة قياسية توفر الدعم والاستقرار من خلال نظام ائتماني عالمي الى جانب سلة عملات قياسية أخرى. وكانت بنوك الدول الصناعية المتقدمة ولا تزال موضع ثقة لمعظم حكومات الدول النامية التي دأبت على ادخار فوائضها المالية لديها، وكذلك تمكنت الادارات المالية في الولايات المتحدة الامريكية من جذب رؤوس اموال كبيرة منذ اواسط سبعينات القرن الماضي باصدارها ما يعرف بـ(سندات الحكومة الامريكية). وكانت البنوك العالمية وعدد من حكومات الدول النامية تستثمر اموالها بشراء تلك السندات باعتبارها مضمونة بدعم من اكبر اقتصاد عالمي، وقد عرف ذلك بنظام (المحافظ الاستثمارية).

ومنذ منتصف تسعينات القرن الماضي، صارت حكومات عدد من الدول النامية ميالة اكثر لشراء سندات الحكومة الامريكية او استثمار مدخراتها في بنوك امريكية وأوروبية كبرى. وأعطيت تلك الاستثمارات اسم (الصناديق الاستثمارية السيادية) أو (الصناديق السيادية) التي تعني ان عائدية ملكية تلك الاموال لشعوب الدول ولكن باسم حكوماتها او باسم مسؤولين في تلك الحكومات. ومنذ ان تقافزت اسعار النفط وعجزت الادارات المالية في الدول النامية النفطية عن استيعاب المتراكم من رؤوس الاموال من عوائد النفط، راحت تستثمرها اما بشراء سندات الحكومة الامريكية او بتوجهها نحو مشاريع تعلن عنها مؤسسات استثمارية امريكية أو اوروبية، وفق نظام المحافظ الاستثمارية والتي تعرف اليوم بـ(الصناديق السيادية).

صندوق النقد الدولي وبإيعاز من الحكومات الامريكية والاوروبية بدأ يتحرك لتحييد سيطرة ملكية تلك الصناديق خشية ان (استغلالها سياسيا) أو (أن يملي مالكو اموال تلك الصناديق على المؤسسات المالية المودعة فيها الطريقة او وجهة استثمارها) على حد تعبير صندوق النقد الدولي.

بلغت اموال الصناديق السيادية ما يصل الى ثلاثة تريليونات دولار (التريليون يساوي ألف مليار) واعتبر صندوق النقد الدولي (ان ذلك المبلغ ضخم جدا اثارت مخاوف المسؤولين الغربيين ان تصبح لحكومات الدول الاجنبية المالكة السيطرة على اصول استراتيجية مثل البنوك وشركات النفط). وتنحصر مساعي الحكومة الامريكية وإدارة صندوق النقد الدولي اليوم في العمل على ايجاد صيغة ملزمة لحكومات الدول التي تملك تلك المحافظ الاستثمارية السيادية بعدم (تسييس) او (إملاء) طرق استثمارها.

وتجدر الاشارة الى ان ثلثي الثلاثة تريليونات دولار من مبالغ الصناديق السيادية خليجية وشرق أوسطية، ومعظمها مودع بالدولار الامريكي، والدولار ومنذ سنتين في تراجع مستمر وقد خسر 25٪ من قيمته مقابل العملة الاوروبية الموحدة (اليورو) بمعنى ان تراجع صرف الدولار بنسبة 1٪ في احد الايام فإن التريليون دولار سيخسر 100 مليون دولار وعندئذ ستبقى حكومات الدول المالكة متفرجة حتى وان ارادت تلك المؤسسات الاستثمارية توجيهها نحو استثمارات ذات ابعاد سياسية وان اعتبرتها غير ذلك.

في اكتوبر المقبل سيجتمع في واشنطن ممثلو حكومات الدول التي تملك الصناديق السيادية مع ممثلي المؤسسات التي اودعت فيها اموال الصناديق السيادية، بحضور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومجلس الاحتياطي الاتحادي الامريكي والبنك المركزي الاوروبي وذلك لوضع صيغة تلتزم بها حكومات الدول المالكة للصناديق السيادية، على أمل ان تكون صيغة العمل المنظمة لتوجيه تلك الاستثمارات ما يضمن عدم تسييس تلك الاموال من قبل طرفي الاستثمار الحكومات من جهة والمؤسسات من الجهة الثانية، وأن يكون لتعريف التسييس معنى واحد الا يفسر بمعنى يخص الحكومات وبمعنى آخر للمؤسسات، على ان يحفظ لأموال الصناديق ضمانها مضافا لها عوائدها الاستثمارية غير متناسين أن اموال الصناديق السيادية هي اموال شعوب حكومات الدول التي وجهتها نحو الخارج.