تتقدم إسرائيل بالنيابة عنها وعن كل مؤيديها ممن يؤمنون بأنها أكملت نضجها السياسي والثقافي، وأنها تعيش في بحر من أعدائها القتلة، والمعتمدين على نظرية (لا بقاء إلا بالموت)، بالتهنئة لكل من أعطى ودعم وأيد بأن يتحول الدم الفلسطيني إلى أرخص من الزيت المحروق، وتبارك للأخوة الأعداء خطواتهم الجبارة التي أكدت للعالم أجمع أنهم أعداء أنفسهم قبل غيرهم، وأن ما جرى في الأردن، وعلى أرض لبنان ليس إلا مقدمات لما يجري على أرضهم، وأن نزعتهم التحررية، والاستقلالية لا تتم إلا بالتصفيات، واللجوء لمن يقدم فصيلاً على آخر، وهي وثيقة الإثبات أن إسرائيل جناح ضعيف لا تستطيع أن تخلق حروباً من داخلها أسوة بالجيران حتى مع وجود قوميات وأجناس وألوان ترتبط بعقد الدولة الإسرائيلية، لأن ذلك من محرماتهم، ولا يجوز استعارتها من الجيران طالما دمهم أرخص وأسهل سفكاً منها..

مخزٍ ومؤلم ما يجري على الأرض الفلسطينية، عندما قدموا البراءة لكل جرائم إسرائيل، وبأنهم غير قادرين على إدارة حكمهم الذاتي، وأن الذين يناصرونهم سوف يقعون في حيرة واقع هو من نسيج الشخصية القيادية الفلسطينية عندما بدّدوا وهم الوحدة الوطنية وطهارة المقاومة، ليقعوا في وهم المنتصر والمهزوم لأفكاره وقضيته، بينما الوطن الذي هو محور الوجود والعدم، يوضع على لوائح التقسيم والتشرذم باسم فتح وحماس وبينهما في حفل الدم ترقص الأبالسة، والأعداء يتفرجون على مسرحية هزلية انتهكت شرف التضحيات ودعوات التحرير، وأثبتت للعالم أن العداء من الداخل الفلسطيني مساوٍ لعدو أكثر شراسة، ولكنه أمام الادعاء العام العالمي يقدم الصورة الفلسطينية بأعلى أشكالها وحقائقها السلبية، إذ لا تحتاج إسرائيل إلاّ أن تنقل وسائل الإعلام العالمية للرأي الدولي ما يجري على أرض غزة والضفة الغربية، ومن تستضيفهم القنوات الفضائية عندما يجرّم كل فصيل العنصر المقابل ويبرر الخطف والقتل لشريك القضية بأنه معتد ومجرم حتى يثبت العكس، والمشكلة الكبرى أن ضعف البناء الهيكلي للتنظيم الفلسطيني، وتشرذمه من بدايات التأسيس بين الدول والتنظيمات العربية والدولية، وتعدد الولاءات بين القوميين والبعثيين والناصريين واليسار العربي والشيوعي، ثم الالتحاق بقافلة التطرف الديني مقابل الاتجاه المضاد، أوقدت نار الفتنة، وهذه المرة، ليست من صنع خارجي بتحالف صهيوني، إمبريالي، ورجعي مع تقدمي، وإنما بتوجه داخلي انبنى على تحالفات داخلية ودعم إقليمي، وهذا الخلل في البناء، لا يمكن أن يفاوض إسرائيل من مركز القوة، وحتى لو انتصر فهو ليس قادراً على تأسيس كيان ودولة طالما بذرة التفتت والتفتيت موجودة في صلب الأحزاب والمنظمات وعملاً بالمقولة الشهيرة "كل شيء يوجد في داخله نقيضه"!!