لم يعد مفهوم القوة لدى الدول في عالمنا المعاصر، على ما بات يحيط به من مداخلات وتعقيدات وتحولات، يقتصر على مقدار ما تتمتع به دولة ما من مقدرات تتعلق بمساحتها وعدد سكانها وقوتها العسكرية ومواردها الاقتصادية، فقد بات الأمر أعقد من ذلك بكثير.

هكذا فإن عدد السكان الكبير يمكن أن يتحول إلى عبء، نتيجة التحول من الاقتصاد الزراعي والصناعي إلى الاقتصاد ما بعد الصناعي، وبالنظر إلى أن أكلاف النمو السكاني تفوق معدلات النمو الاقتصادي. وكذا الأمر بالنسبة لمساحة الدولة، حيث إن هذه المسألة لم تعد ميزة اقتصادية أو أمنية، خصوصا بعد أن كثفت أو قلّصت وسائل الاتصالات المساحات، وبعد أن بات كثير من الدول تعجز أو تنسحب من مجال تقديم الخدمات الأساسية لسكانها.

أما القوة العسكرية فهي إن لم تكن متوازنة مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية يمكن أن تتحول إلى كارثة، وهو ما حصل بالنسبة للاتحاد السوفييتي السابق، ويحصل لكوريا الشمالية الآن، وربما لإيران أيضا. وبالنسبة للموارد الاقتصادية فإذا لم يقترن وجودها بإدارة رشيدة، وقدرات تكنولوجية، وبنية مؤسساتية، فلن تكون لها صلة بالمجتمع المعني ولا بتطوير إمكانات الدولة المعنية (الثروة النفطية في ليبيا مثلا).

الحاصل أن المبالغة في تعظيم عامل القوة العسكرية، على حساب غيرها، لم يعد يفيد بالضرورة في تعزيز قوة الدولة على الصعيد الإقليمي، بالقدر الذي كانت عليه في السابق. ودليل ذلك أن ثمة دولا عديدة ليست لديها قوة عسكرية كبيرة، ولكن تأثيرها الدولي والإقليمي كبيران.

هكذا مثلا باتت اليابان في مصاف الدول الكبيرة في العالم، بفضل قوتها التكنولوجية والعلمية والاقتصادية والمالية، بغض النظر عن مساحتها وضعف قوتها العسكرية وندرة الموارد الاقتصادية فيها، ورغم أنها تكاد تكون دولة منزوعة السلاح، وهذا ما يمكن أن نتحدث به عن عديد من الدول الإسكندنافية وغيرها.

في المقابل فقد انهار الاتحاد السوفييتي (السابق)، على الرغم من قدراته العسكرية الضخمة، وموارده الهائلة، ونفوذه خارج حدوده (من خلال الحركة الشيوعية). حتى روسيا الاتحادية اليوم تبدو بمثابة رجل مريض، على رغم قوتها العسكرية، بالقياس لدول ناهضة؛ علما أنها تمارس نوعا من القوة السياسية، من خلال امتلاكها الفيتو في مجلس الأمن الذي هو مستمد أصلا من نظام القطبين السابق.

أيضا ها هي الصين الشعبية تحاول أن تتحمّل بأقل ما أمكن، بعضا من أعباء السياسة الإقليمية والدولية، لصالح تحسين قوتها الاقتصادية والتكنولوجية التنافسية مع الأقطاب الدوليين الآخرين. وفي الحقيقة فإن الصين تحاول أن تسابق الزمن، لجسر الهوة الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية وفي نمط الحياة، مع الدول الكبرى الأخرى، من دون أن تدعي لنفسها دورا إقليميا أو دوليا، ومن دون التلويح بالقوة العسكرية التي تمتلكها، على اعتبار أن ذلك يمكن أن يستنزف قدراتها، ويضعف من إمكانياتها، ويزيد خصومها، ويلهيها عن تحقيق الهدف الذي تحدثنا عنه؛ ولعل هذا هو حال ماليزيا وتركيا والبرازيل والهند.

وبحسب المعلومات المتوفرة فقد ارتفع إجمالي الناتج المحلي للصين من 140 مليار دولار أميركي عام 1979 إلى 1400 مليار دولار أميركي عام 2003، بمعدل نمو سنوي قدره 4,9%، حيث ازداد 10 أضعاف خلال 25 سنة، وبلغ الاحتياطي للعملة الصعبة 3,403 مليارات دولار أميركي عام 2003 بالمقارنة مع 840 مليون دولار أميركي عام 1979.

كما ازداد الحجم الإجمالي للتصدير والاستيراد من 29 مليار دولار أميركي عام 1979 إلى 850 مليار دولار أميركي عام 2003. وتجهد الصين لتصبح في منزلة ثالثة أكبر الدول التجارية في العالم، وبحيث يصل ناتجها المحلي إلى 4000 مليار دولار أميركي عام 2020، بزيادة أربعة أضعاف عما كان عليه عام 2000.

من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن ثمة تضاؤلا في قيمة عناصر القوة التقليدية، المتمثلة بمساحة الدولة وعدد سكانها وقدرتها العسكرية ومواردها الاقتصادية، في مجال قياس قوة الدول وتحديد مكانتها النسبية في موازين القوى في حقل العلاقات والصراعات الدولية، في مقابل التزايد في قيمة عناصر القوة الاقتصادية والمالية والتكنولوجية والعلمية والإدارية.

وكان بول كندي (المؤرخ والمفكر الأميركي المعروف) حاجج في كتاب له عنوانه: «صعود وهبوط القوى العظمى»، بشأن عدم قدرة دولة ما على مد نفوذها خارج حدودها بالاعتماد على تنمية وسائل الهيمنة العسكرية، وأكد أن مثل هذه الدولة التي تنصرف عن الاهتمام بتنمية الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والموارد البشرية، سيصيبها العطب عاجلا أم آجلا، بسبب عدم قدرتها على التوفيق بين التزاماتها الداخلية والخارجية، والمشاكل الخارجية التي ستتعرض لها».

وللتذكير، أيضا، فإن قوة إسرائيل لا تستند فقط إلى قدراتها العسكرية (على ما يشاع)، أو إلى دعم الولايات المتحدة لها فحسب، فعلى أهمية هذين العاملين فإن إسرائيل تستمد قوتها من طبيعة نظامها السياسي، وأيضا من اهتمامها بتنمية اقتصادها ومواردها البشرية ومستوى حياة مجتمعها. فمثلا يبلغ حجم الإنفاق على الفرد في إسرائيل في مجال التعليم، حوالي 1200 دولار سنويا، في حين أنه في العالم العربي يبلغ حوالي 110 دولارات.

علما أن الإحصائيات تؤكد وجود نسبة أمية تعادل 40 بالمئة في العالم العربي! أما حصة الفرد الإسرائيلي من الإنفاق على البحث العلمي فتبلغ حوالي 500 دولار في العام، علما أن نسبة الإنفاق على البحث والتطوير العلمي في إسرائيل تراوح بين 3 ـ5 بالمئة من ناتجها السنوي الذي بات يقدر بحوالي 150 مليار دولار.

في المقابل فإن حصة الإنفاق على الفرد في العالم العربي، في مجال البحث والتطوير، لا تزيد على 8 دولارات في العام، وهي تمثل 3 مليارات من الدولارات، وهو ما يعادل المبلغ الذي تنفقه إسرائيل سنويا في هذا المجال، مع الفارق البيّن بالنسبة لمجموع السكان!

ولا شك أن تسارع وتوسع مسارات العولمة جعل التأثر المتبادل بين الدول أكبر بكثير من ذي قبل. ومعنى ذلك أن مسارات العولمة هذه عززت من تآكل مجال السيادة الوطنية، لصالح الدول الكبرى المهيمنة على وسائل العولمة ومساراتها.

وهكذا لم تعد كل دولة في عصر العولمة، ولا سيما في عصر الهيمنة الأحادية (الأميركية) على مسارات العولمة، قادرة على التفرد بسياساتها الخارجية، أو القيام بأنشطة أمنية داخل حدودها أو خارجها، من دون مراعاة تأثير ذلك على النظام الدولي؛ وبذلك فإن مسارات العولمة خلقت علاقات قوة جديدة وحدت من مجالات قوة الدول وقننتها.

من ذلك كله يمكن التوصل إلى استنتاجات ذات مغزى بشأن الفجوة الهائلة والخطيرة الحاصلة في قوة النظام العربي، بالقياس للمعايير والعلاقات الدولية السائدة، وبشأن عدم فاعلية هذا النظام في التعاطي مع المشروعات الخارجية أو مع التحديات الداخلية: الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الراهنة.

كاتب فلسطيني

mkayali@scs-net.org