رحب العالم الديمقراطي كله تقريبا برفض المحكمة الدستورية العليا في تركيا طلب المدعى العام التركي حظر حزب العدالة والتنمية ذي الأغلبية الشعبية والبرلمانية، والذي يحكم البلاد لفوزه بالأغلبية المطلقة لدورتين متتاليتين في انتخابات ديمقراطية اشتد فيها التنافس بين التيارات الإسلامية والقومية والعلمانية، في إشارة إلى المستقبل بأفول التيار العلماني المتطرف اللاديمقراطي، وصعود التيار الإسلامي الديمقراطي اللامتطرف في الشارع التركي.

ورغم إصدار هذه المحكمة عشرين حكما سابقا بحل عشرين حزبا بذرائع ميولها الدينية أو القومية الإسلامية أو الكردية «لمخالفتها المبادئ العلمانية والدستور التركي»، وبرغم أن من بينها أحزاب «الرفاه» و«الفضيلة» التي أسسها رئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان، الأستاذ الروحي لكل من عبدالله جول رئيس الجمهورية الحالي ورجب طيب أردوغان رئيس الحكومة الحالي، والتي يمثل العدالة والتنمية امتدادا لها..

وبالرغم من أن هذه المحكمة تمثل ثاني قلاع العلمانية الأتاتوركية الباقية إلى جانب المؤسسة العسكرية القلعة الرئيسة الأولى، بعد سقوط القلاع الثلاث الرئيسية الأخرى، وهي البرلمان والحكومة والرئاسة، من سيطرة العلمانيين غير الديمقراطيين الذين يناقضون بتفاسيرهم وممارساتهم صحيح العلمانية والديمقراطية بمعارضتهم للحريات الدينية والشخصية، وبرغم أن قضاتها جميعا من العلمانيين الذين عينهم الرئيس العلماني السابق «نجدت سيزار»..

فلم يكن الحكم الذي صدر يمثل مفاجأة كبيرة للعديد من المحللين والكتاب العرب الذين استبعد غالبيتهم إمكانية تهور المحكمة باتخاذ قرار بحظر «العدالة والتنمية» الحاكم بدعوى مخالفته لمبادئ الدستور العلماني، بالرغم من إقدام هذه المحكمة قبل شهر على الحكم بعدم دستورية إقرار البرلمان التركي تعديلا دستوريا يسمح فيه لأول مرة للطالبات الجامعيات بالحرية في ارتداء «الإيشارب»، وهو ما كان محظورا عليهن بحجة مخالفته للعلمانية.

بما بدا كإشارة مسبقة لترجيح حل الحزب! وذلك لأسباب كثيرة يكاد يبدو مستحيلا فيها على أي عاقل أن يتصور قيام أي قاض عاقل بتأييد مثل هذا الحكم، لما ينطوي عليه ذلك من أخطار على استقرار وأمن وازدهار تركيا، والأهم، بما يمثل تحديا صارخا للإرادة الشعبية مصدر كل السلطات، وإلغاء لجوهر النظام الديمقراطي.

ويرى عقلاء الفكر العلماني أن حياد الدولة تجاه الدين لا يعني العداء للدين، بل يعني عدم التدخل في الشؤون المتعلقة بالعبادات والمعتقدات ما دامت غير مخالفة للدستور والقانون، واحترام حرية الاعتقاد، وأن يكون هناك حياد في التعليم الديني في المجتمع، دون الخروج على الثوابت الأساسية المعروفة للمجتمع..

فما بالك بالمجتمع التركي الذي يدين 95% منه بالإسلام وترتدي 75% من نسائه وبناته الحجاب أو «الإيشارب»، طبقا للقيم الإسلامية أو اعتزازا بالتقاليد الاجتماعية. وبهذا لا يبدو الفهم العلماني المتطرف في تركيا شهادة زور على العلمانية، وأقرب للديكتاتورية منه إلى الديمقراطية فقط، بل على الدستور التركي العلماني أيضا بينما المادة 24 تقول: «كل فرد يملك حرية المعتقدات الدينية وحرية الفكر، ولا يعاب ـ انظروا ـ على أحد من أجل معتقداته الدينية، ومن أجل أفكاره، ولا تعاب ولايتهم»!

فمن الذي يخالف الديمقراطية والعلمانية والمبادئ الدستورية التركية، أهو حزب العدالة والتنمية كما يزعمون؟ أم هي الأحزاب الأتاتوركية اللاديمقراطية واللاعلمانية، والقضاة الداعون لحل الحزب لفساد استدلالاتهم الدستورية؟! عموما يقترب موعد انتهاء الولاية القضائية لقضاة المحكمة الدستورية، ليعين الرئيس عبد الله جول، طبقا لصلاحياته الدستورية، قضاة جددا لهذه المحكمة يجيدون تفسير الدستور.

mamdoh77t@hotmail.com