قرار المحكمة الدستورية في تركيا برفض حظر «حزب العدالة والتنمية» الحاكم، سبب للسرور.. لكنه أيضاً سبب أدعى للحذر. ذلك أن قضاة هذه المحكمة لا يتصرفون إلا وفقاً لإرادة العصبة العسكرية العليا التي نصبت نفسها لمدى عقود زمنية متصلة وصيا على الشعب التركي، باسم حماية النظام العلماني.

«العدالة والتنمية» حزب ذو توجه إسلامي يتمتع بشعبية كاسحة وشاملة عكستها صناديق الاقتراع مرتين، مما أثبت أن الإسلاميين هم المستفيد الأكبر من النظام الديمقراطي التركي. وهكذا عندما أدرك خصوم الحزب أن التنافس الانتخابي ليس في صالحهم، فإنهم لجأوا إلى المحكمة الدستورية العليا بأمل أن تستخدم المحكمة سلاح الحظر القهري.

مثلها مثل المؤسسة العسكرية والجامعات الحكومية، فان المحكمة الدستورية تقع ضمن هيمنة عصبة الجنرالات. فهي التي تمتلك حق تعيين القضاة وعزلهم. لكن لماذا شاءت العصبة العسكرية توجيه القضاة إلى إصدار القرار برفض حظر حزب العدالة والتنمية، كما طالب بذلك المدعي العام؟

لقد خشي الجنرالات من اندلاع فورة شعبية عارمة في الشارع التركي، قد تؤدي إلى صدام بين المنظمات والفئات الشعبية وبين الجيش، مما يتهدد بقاء العصبة العسكرية نفسها. والآن وقد صدر حكم المحكمة لصالح حزب العدالة والتنمية.. هل يعتبر ذلك نهاية المطاف؟

إن المعركة الحقيقية الدائرة في المسرح السياسي التركي على مدى السنوات الأخيرة، ليست مجرد تجاذب قانوني محدود بين حزب سياسي وطاقم الجنرالات. إنها أكبر وأعمق من ذلك.. فهي المعركة المصيرية العظمى بين الاتاتوركية العلمانية، والهوية الإسلامية الأصيلة للشعب التركي.

نفوذ جنرالات المؤسسة العسكرية يتلاشى رويداً، لأنه بالإضافة إلى صعود التيار الشعبي الإسلامي، فانه ليس بوسعهم إعلان حرب على النظام الديمقراطي بينما تطرق تركيا باب الاتحاد الأوروبي للانضمام إليه. وقد أثبتت التحولات الأخيرة في المشهد التركي أنه كلما ترسخت حريات النظام الديمقراطي واتسع نطاقها، كلما كان ذلك خصماً من مكانة المؤسسة العسكرية ولصالح مناهضي العلمانية.

opinion@albayan.ae