تجربة الارتفاع المتسارع للأسعار على مستوى العالم ينبغي ان تلفت انتباهنا الى قضايا شديدة الاهمية غالبا ما تكون ضحية الضغوط الآنية لتجاوز ازمة طارئة كأزمة ارتفاع الاسعار.

وفي قطاعات الاسكان وملحقاته من خدمات اساسية يبرز جليا امام الأعين مثال واضح على انسحاق الرؤية المستقبلية للخطط التنموية وضياع حقوق الاجيال القادمة في ان تعيش في سعة من العيش والمكان وبين ظهراني بيئة صحية ومواصفات قياسية للمسكن العائلي وما يحيط به من وسائل راحة في الحركة والتريض والتنزه والتعلم والعبادة الى غير ذلك من حاجات المواطن الاساسية.

وحين ترتفع الاسعار يصبح التضحية بمساحات من الاراضي من اجل الحدائق العامة والطرق الواسعة والمستشفيات والمدارس والمساجد امرا واردا، ونحن نشهد ذلك واضحا في المدن التي تكتظ بالسكان خارج بلادنا، حيث فرطت الاجيال السابقة في مفهوم حق الاجيال القادمة التي لم تولد بعد لتدافع عن هذا الحق، ومن ثم فإن الضمير الانساني والمسؤولية الاجتماعية والاخلاقية تقتضي الاحتفاظ لكل ذي حق بحقه ولا نتوقف عند ما هو امام اعيننا وان كان يملك فرصة فرض رأيه او تصوراته التي غالبا ما تتماشى مع الحاجة المرحلية اكثر من الرؤية المستقبلية .

نقول ذلك بمناسبة افتتاح الدورة التدريبية في مجال تخطيط وتنظيم جمالية المدن، التي تنظمها بلدية ظفار بالتعاون مع الوكالة التونسية للتعاون الفني، حيث يستلزم الامر وضع الحالة العامة المستقبلية للمدن بالاعتبار، ونسب الزيادات السكانية فيها لاحقا، وحاجات الكتل السكانية الى وسائل الراحة وبخاصة الحدائق العامة التي تشكل متنفسا حتميا لسكان الاحياء المكتظة وبخاصة الاطفال. وقد شهدنا كيف تزايدت حركة السير في مسقط خلال اشهر قليلة على سبيل المثال مما اقتضى توسيع الشوارع والسماح بزيادات في أطوال المباني الى غير ذلك من سبل العلاج، ولو اننا انتبهنا الى المشكلة فجأة دون ان تكون لدينا مساحات كافية متروكة من ذي قبل ما استطعنا ان نوسع شارعا او نشق شارعا جديدا لاستيعاب الحركة المرورية المتصاعدة في وقتنا الحاضر، وما تستتبعه من حاجات ملحة في التخطيط والتصميم واستيعاب المستجدات مثل المتغيرات المناخية مثلا.

ان نهضتنا الحديثة تعي وعيا كاملا اهمية الرؤية المستقبلية في التخطيط، لكننا نأمل في قياسات عريضة تقدر احتياجات اجيالنا المستقبلية في ظل ما حبانا الله به من مساحة تتجاوب مع كل تطلعاتنا في التخطيط المستقبلي لبلادنا ومواطنينا على اختلاف التطورات المناخية والجغرافية وترسية هذه الرؤية كقوانين لا يمكن تجاوزها تحت ضغط أية ظروف مرحلية.