نشرت صحيفة »أوان« الكويتية، في عددها الصادر يوم الثامن والعشرين من الشهر المنصرم، مقابلة مع أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى، تناولت مجموعة من القضايا التي تهم العالم العربي، وكان من ضمن ما تم التطرق إليه في الحوار مبادرة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، للمجتمعين من القادة العرب في قمة شرم الشيخ قبل ست سنوات، عندما اقترح رحمه الله معادلة تنحية صدام حسين من أجل تجنيب العراق ويلات ما تخطط له الولايات المتحدة الأميركية من غزو واحتلال لذلك البلد العربي العزيز.
في هذا الحوار مع الصحيفة الكويتية يعترف الأمين العام للجامعة بأن ما تقدم به المغفور له الشيخ زايد بن سلطان من مقترح، كان عين الصواب وأنه »لو كنا أخذنا به وتم تنفيذه« كما يقول الأمين العام »لتجنبنا كل ما حصل«.
لقد كنا منذ بداية تقديم المقترح الإماراتي الذي حمل اسم مبادرة الشيخ زايد، مؤيدين لهذا المقترح إيماناً منا كمحللين سياسيين نتبع الفكر الواقعي، بأهمية هذه المبادرة وما يمكن أن تحققه من نتائج تُبعد العراق عن كل ما حدث ويحدث له اليوم من أمور أصبح لها الكثير من التداعيات السياسية والاقتصادية والإنسانية، ليس فقط على العراق بل علينا جميعاً في المنطقة العربية. لقد كانت المبادرة الإماراتية واقعية وعاطفية الطرح في ذات الوقت.
واقعيتها تكمن في قراءتها البراغماتية لواقع توازن القوة الموجود في المنطقة العربية وفي العالم بأسره، والذي يميل نحو الطرف المخطط للاعتداء أكثر من كونه لصالح الطرف المعتدى عليه، مع غياب القوى الدولية الموازنة لمثل ذلك الخلل؛ كما أن واقعيتها تكمن أيضاً في إيمانها بأن العراق سيُمزق كشعب وكبلد، وعندها سيندم العرب لأن العراق لن يكون عزاً لهم كما كان. أما عن عاطفيتها فقد كانت المبادرة واضحة في فهمها لخطورة ما سيؤول إليه الوضع على شعب العراق من دمار وعذاب.
كانت هذه هي واقعية وعاطفية المبادرة الإماراتية التي، وللأسف الشديد، نأتي اليوم وبعد أن وقع الفأس على الرأس، وبعد أن انكسر الكوب بما فيه، نأتي لنتأسف على عدم اتخاذ القادة المجتمعين في قمتهم تلك في شرم الشيخ ـ القمة التي سبقت حدوث كارثة العراق ـ قراراً بدعم مبادرة الشيخ زايد، بحجة أن تبنيها سيمثل سابقة من شأنها أن تهدد رؤوس قادة عرب آخرين، متجاهلين ما يمكن أن تؤدي إليه تلك المبادرة من حماية لرؤوس بشر أبرياء وحماية بلد من الانزلاق في هاوية الظلام، لكن للأسف لا يفيد الندم.
الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى شخص نكن له شخصياً كل الاحترام والتقدير، لما يقوم به من أعمال جبارة في سبيل الدفاع عن قضايا الوطن العربي، فهو يحمل على رأسه هموم أمة ووطن ولا يبخل أن يبذل كل جهد في سبيل نصرة وطننا الكبير، لكن موقفه من المبادرة الإماراتية عندما قُدمت في قمة شرم الشيخ لم يكن موقفاً يستحق التأييد منا نحن شخصياً.
فكم تمنيت أن يُغلب الأمين العام واقعيته على عاطفيته ويقف موقفاً شجاعاً مع المبادرة، بحكم أنها تحمل رؤية شخص وُصف بالحنكة والفطنة حتى أصبح يوصف بحكيم العرب. كانت الرؤية واضحة والصورة كاملة أمامنا كمحللين سياسيين ومتابعين، بأن العراق سينزلق إلى متاهات لن تخدم العراقيين ولا العرب، ولكن رغم ذلك أصر الأمين العام، مع احترامنا الشديد له، على رفض عرض الموضوع على القادة العرب المجتمعين في القمة.
هذه البصيرة وللأسف الشديد التي يجب أن يتحلى بها دبلوماسي محنك كالأمين العام للجامعة العربية السيد عمرو موسى ذي الباع الطويل في الدبلوماسية العربية، أفقدته نوعاً من الخصال التي يجب أن يتمتع بها الدبلوماسي الناجح، فالعاطفة لا يمكن أن تكون دائماً هي المحرك الأساسي لتوجهاتنا، بل لا بد أن يساير العاطفة الواقعية التي يحتاجها كل دبلوماسي صغيرا كان أم كبيرا، في مسيرته للدفاع عن هموم وقضايا وطنه.
مع هذا فإننا نكن كل الاحترام للسيد عمرو موسى، ونحترم شجاعته في اعترافه بأن المبادرة الإماراتية كانت محقة وكانت لو تم تبنيها من قبل المجتمعين في قمة شرم الشيخ لجنبت العراق ويلات ما يحدث له اليوم. هذه الشجاعة تُكتب للسيد عمرو موسى الذي سيظل في رأينا الشخصي أكثر أمين عام الجامعة العربية حيوية ونشاطا.
حوار الأمين العام مع الصحيفة الكويتية فيه نوع من الندم على عدم الأخذ بالمبادرة الإماراتية، كيف لا وهو القومي العروبي الذي يرى بلداً عربياً كان في يوم من الأيام نصيراً للعرب في السراء والضراء، يجده يُسلخ من عروبته ويؤخذ به نحو منحى جديد لا يخدم العرب كما كان في السابق! ما من شك أن مثل هذا الأمر يؤلمه كما يؤلمنا، لأننا كنا قادرين بدرجة معينة أن نُبعد كل هذا عن بلد عربي عزيز على قلوبنا، ولكننا لم نفعل.
وللأسف الشديد أن »كلمة يا ليت لا تستطيع أن تعمر بيتا«، وفي ذات السياق فإن كلمة يا ليت لا تستطيع أن تعيد العراق إلى ما كان عليه في السابق نصيرا للعرب وقضاياهم القومية. إن مبادرة الشيخ زايد رحمه الله تحمل بصيرة وفطنة الزعماء التي لا يتمتع بها إلا القلائل منهم، فحق أن يقال عنهم حكماء.
