كأننا لا نتعلم شيئا من دروس الماضي ولا نريد أن نستوعب المتغيرات التي تطرأ على مفاهيم حاكمة للعلاقات الدولية، والجدل الدائر في العالم العربي حول مذكرة التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية ضد الرئيس السوداني عمر البشير، نموذج جديد لمنطق تفكير قديم لكنه »ما زال صالحا للاستهلاك« في العالم العربي!
وفي زحمة الكتابات الحافلة بالتبسيط المخل والتحريض غير الأمين في الإعلام العربي، استوقفني مقالان احدهما للدكتور عمرو حمزاوي المعنون: »العرب وكارثة دارفور: (المجرم أوكامبو) و(الصامد البشير) (الحياة 17/7/2008)، وفيه أكد رفضه للمنطق الذي يثار به الموضوع في الإعلام العربي، وتأكيده أن بعض المدافعين عن البشير تنكروا لقيم الحرية والحق.
والمقال الثاني للمستشار هشام البسطويسي، وعنوانه: »نعم يجب أن يحاكم البشير دوليا ولو اعتصم بحصانة مغتصبة« (المصري اليوم القاهرية ٢٢/٧/٢٠٠٨)، وكاتبه نائب رئيس محكمة مصري كان وما زال من أعلى القضاة المصريين صوتا في المطالبة بالتغيير الديمقراطي في مصر، ومقاله كان ردا على مقال للمحامي ذي الميول الإسلامية محمد سليم العوا حول فيه القضية إلى صراع بين الملائكة (الشرق) والشياطين (الغرب).
ومن وسائل التضليل الشائعة في مثل هذه القضايا، إظهار الواقعة كما لو كانت مؤامرة وحادثة لا نظير لها ولا سوابق. فمثلا لا أحد يشير إلى سوابق مثل: المحاكم الخاصة بالبوسنة والهرسك، وكوسوفا، وتيمور الشرقية، وكمبوديا، وسيراليون، وعدد كبير من لجان التحقيق الدولية في بوليفيا والأرجنتين وتشيلي والسلفادور وجواتيمالا وزيمبابوي وأوغندا، وتشاد ومقاضاة رئيسها حسين حبري أمام المحاكم البلجيكية ثم السنغالية عن جرائم وقعت في تشاد، والفلبين وسريلانكا وغيرها كثير.
وقصة المحكمة الدولية مع الرئيس البشير ترافقت مع قصة أخرى تعامل الإعلام العربي معها بتجاهل لا يخلو من سوء نية، هي قصة القبض على السفاح الصربي رادوفان كاراجيتش المطلوب في اتهامات بالتخطيط وإصدار الأوامر لارتكاب أسوأ الفظائع في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، بعد هربه لمدة 11 عاما، وكأن الأمر لا يعنينا!
والقاسم المشترك الأول بين البشير وكاراجيتش اتهامهما بارتكاب جريمة »الإبادة الجماعية«، وهي جريمة لم يعترف بها إلا عام 1948، وتعتبر الأخطر في القانون الدولي، ويقصد بها جرائم ترتكب »بقصد القضاء الكلي أو الجزئي على مجموعة وطنية أو اثنية أو عرقية أو دينية«.
وأصدرت محكمة الجزاء الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة العام 1995 البيان الاتهامي في حق رادوفان كاراجيتش، وتضمن خصوصا تهمة ارتكاب إبادة جماعية في مجزرة سربرنيتسا في البوسنة التي ذهب ضحيتها 8 آلاف مسلم في يوليو 1995، وهي الفصل الوحيد في حروب يوغسلافيا السابقة التي وصفتها محكمة العدل الدولية (أعلى هيئة قضائية في الأمم المتحدة) بأنها جريمة »إبادة«.
ويعد القبض عليه وعلى المتهمين الآخرين بجرائم حرب، أحد الشروط الرئيسة لتحقق صربيا تقدما نحو عضوية الاتحاد الأوروبي. وجاء القبض عليه عشية اجتماع لوزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي سيناقش توثيق العلاقات مع صربيا.
والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي تصر على ضرورة أن تسلم صربيا جميع المشتبه في ارتكابهم جرائم حرب، سيرون في اعتقاله دليلا على أن زميله ملاديتش القائد العسكري أثناء الحرب والهارب حاليا، يمكن إلقاء القبض عليه إذا توفرت لدى بلجراد الإرادة السياسية لمواجهة القوميين المتشددين. وأشاد أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون بالسلطات الصربية لاتخاذها »خطوة حاسمة نحو إنهاء حصانة« متهمين بجرائم حرب.
ورغم هذا ما زال القوميون الصرب المتشددون ينظرون لكاراجيتش على أنه المنقذ الوطني. وسبق لكاراجيتش نفسه أن وصف محكمة لاهاي بأنها »محكمة سياسية الهدف منها تحميل الصرب مسؤولية الحرب«. وفي يوليو 1996 حظر عليه ميلوسيفيتش الظهور علناً، فانتقل إلى السرية معتمداً على شبكة قوية من الأتباع والمؤيدين الأوفياء، وقيل إنه حظي بحماية من الشرطة، وأنه وجد أحياناً ملاذاً في الأديرة الأرثوذكسية الصربية.. ولا تعليق.
كاتب مصري