لم يكن رئيس الوزراء الفلسطيني يتوقع أنه بعد سنة من توليه تسيير الأحوال وتحقيق نجاحات على المستويات الأمنية والإدارية والاقتصادية، يمكن أن يصطدم بمشكلة توفير الرواتب الشهرية البالغة 120 مليون دولار. فهو بعد مؤتمر باريس للمانحين كان يتوقع ضمان تمويل لخطة التنمية الثلاثية التي عرضها على مدى ثلاث سنوات، وتلقى تأكيدات أميركية وأوروبية وعربية لضخ أكثر مما طلبه من أموال، أي أكثر من سبعة مليارات دولار.
لكنه لم يتلق هذه الأموال وفق جدوله الزمني المعد، نظرا لأن الدول العربية التي تعهدت بسد العجز في ميزانية الرواتب لم تف سوى بثلاثة وعشرين في المئة من التزاماتها، حيث إن ثلاث دول فقط تفي بأغلبية التزاماتها من بين الدول العربية كلها، وهي المملكة العربية السعودية والجزائر ودولة الإمارات العربية المتحدة. ولذلك لجأ إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي.
ولهذا يرى رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض أنه طالما أن هناك انقساما بين الضفة الغربية وغزة، فإن الوضع الاقتصادي سيبقى مختلا، لأن الدورة الاقتصادية تبقى معطلة، فالخزينة الفلسطينية تصرف 58 في المئة من عائداتها ومساعداتها ورواتبها على قطاع غزة حتى الآن، ولا تستوفي أية رسوم أو ضرائب من قطاع غزة. وهذا يعرقل الأنشطة الاقتصادية الفلسطينية بشكل عام.
كما أن حالة الانقسام هذه تعرقل المفاوض الفلسطيني أيضاً، ولا تتيح له إمكانية التوصل إلى تسوية، لأن إسرائيل تضع إعادة الوحدة الجغرافية الفلسطينية كشرط تعجيزي للتوصل إلى تسوية لإقامة دولة فلسطينية، فيما هي عملت وتعمل على إبقاء حالة الانقسام.
هذه هي الإشكالية على الصعيد الوزاري الفلسطيني، أما على الصعيد الرئاسي فثمة إشكالية مزدوجة. الأولى أن حركة حماس أعلنت أنها لن تعترف برئاسة محمود عباس بعد التاسع من يناير من العام المقبل، وتعتبره رئيسا غير شرعي لأن فترة رئاسته تكون قد انتهت. وكان ديوان الفتوى والتشريع قد أفتى بأن فترة رئاسة عباس تمتد إلى ما بعد ذلك، لأنه جاء في انتخابات رئاسية تكميلية بعد وفاة ياسر عرفات.
وبالتالي فإن موعد الانتخابات الرئاسية يتزامن مع الانتخابات التشريعية المقبلة التي يحين موعدها في عام 2010. لأن القانون الأساس ينص على إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية معاً، وإذا كانت انتخابات الرئاسة جرت في عام 2005 فإنما كانت لسبب وفاة عرفات.
هذه الفتوى رفضتها حركة حماس، وهي تركز على صفقة جلعاد شاليط لتبادل الأسرى للإفراج عن نوابها المعتقلين من قبل الاحتلال في الضفة الغربية، حيث اعتقلوا غداة أسر الجندي الإسرائيلي، وفي حالة إطلاق سراحهم فإن حماس تستطيع عقد جلسة للمجلس التشريعي وانتخاب رئاسة جديدة للمجلس، وإسقاط حكومة فياض ومحاولة إسقاط الرئيس الفلسطيني في يناير المقبل. الرئيس الفلسطيني عملياً أمام مأزق دستوري، فيما رئيس وزرائه أمام مأزق مالي يهدد حكومته بالسقوط إذا لم تستطع تدبير الرواتب الشهرية.
فالحكومة نجحت حتى الآن في تحقيق انجازات غير مسبوقة، كفرض الأمن والنظام واعتقال الخارجين عن القانون ومن صدرت بحقهم أحكام قضائية، وأعادت الهيبة للشرطة، وقضت على ظاهرة استخدام السيارات المسروقة أو غير المرخصة.
كما أعادت تنشيط القطاع الوظيفي بفرض التزام الدوام، وأعادت هيكلة جهازها الإداري. لكن الموارد المالية لم تتحسن كثيرا، حيث اضطرت الحكومة إلى الوفاء بالتزامات حكومات سابقة، في تسديد ديون كبيرة وصرف ديون القطاع الخاص وصرف أغلبية مستحقات الموظفين الذين لم يتقاضوا رواتب إبان فترة حكومة حماس السابقة.
هذه الانجازات مهددة بالضياع بسبب الأزمة المالية الحالية، ذلك أن عدم توفر المال يعني عمليا خلخلة الترتيبات الأمنية التي نجحت السلطة في انجازها، وعودة الفلتان مجددا إلى مدن الضفة الغربية.
إضافة إلى خلخلة البنية الاجتماعية. وكما يقول قائد الأمن الداخلي اللواء ذياب العلي، فإن تحريك سرية عسكرية يتطلب بساطا من المال، وفي حالة عدم توفره فكيف سنتمكن من الاستمرار في حفظ النظام والقانون؟
في موازاة ذلك فإن إسرائيل، وإن كانت ستوافق على إطلاق سراح نواب حركة حماس، إلا أنها ما زالت متصلبة في تلبية مطالب حماس بشأن الإفراج عن أسرى مهمين اتهموا بتنفيذ وتخطيط عمليات عسكرية كبيرة، مثل حسن سلامة العقل المدبر لسلسلة من العمليات التفجيرية، وعبد الله البرغوثي المتهم بتدبير عمليات مماثلة أسفرت عن مقتل 67 إسرائيليا.
وقد قال وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي آفي ديختر مؤخرا لزملائه في الحكومة «من منكم مستعد للموافقة على الإفراج عن عبدالله البرغوثي؟»، فلم يجبه أحد.
إذ يبدو أن صفقة شليت متعثرة، وثمة من يقول إن إسرائيل بتنفيذها الصفقة مع حزب الله مقابل جنديين ميتين في تابوتين، إنما كانت تهيئ الرأي العام لموت شاليط في الأسر، وهي بالتالي لن تذهب بعيداً في تلبية مطالب حماس في صفقة الأسرى.. ومستعدة للتضحية بشاليط. إذن، يبدو أن بقاء شليت أسيراً سينقذ رئاسة وحكومة السلطة من إشكاليات قانونية قد تطيح بهما.
كاتب فلسطيني