أخيرا.. بعد انتهاء الحرب في البوسنة والهرسك، وبعد ثلاثة عشر عاما من التواطؤ والتخفي في العاصمة الصربية «بلغراد»، وقف الزعيم الصربي الهارب «رادوفان كرادجيتش» المتهم بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ضد المسلمين وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.. فهل سيكشف «كرادجيتش» أمام قضاة المحكمة الجنائية الخاصة بيوغسلافيا السابقة في لاهاي، تواطؤ الذين تواطأوا معه أثناء الحرب البوسنية؟

خصوصا بعدما كشفت مخابرات دولة كبرى لغز اختفائه بعدما وعدته بالحماية، واضطرت الحكومة الصربية إلى اعتقاله وتسليمه تحت الضغط الذي يمنع انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، وللمقايضة مع مواقفها حول استقلال كوسوفا بعدما فشل مجلس الأمن في إقراره بسبب الرفض الروسي الحازم.

وكرادجيتش الذي يوصف ب«سفاح البوسنة» هو المطلوب الثاني لهذه المحكمة، بعد الرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش الذي سلمه معارضوه الذين خلفوه في الحكم، وهو الذي وقع اتفاق دايتون للسلام، وقد رفض بعناد الاعتراف بشرعية «محكمة شكلها الأطلسي» بعد أربع سنوات من المحاكمة لم تنته بإظهار الحقائق، بل بفشل المحكمة في تحقيق العدالة بوفاته في السجن دون إصدار أي حكم!

وقد لا نستطيع بالضبط كشف حقائق كل ما حدث في الواقع الدولي والمحلي وفي الخفاء والعلن في الجمهورية الأوروبية الشرقية التي عرفها العالم باسم يوغسلافيا الاتحادية الاشتراكية رابع أقوى قوة عسكرية أوروبية، بعد وفاة رئيسها التاريخي الماريشال تيتو وانتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، بعد تفكك الاتحاد السوفييتي السابق وسقوط جدار برلين!

وفي ظل غياب العدالة الدولية بما يصيبها من عوار عدم المساواة، وازدواجية المعايير، ولأننا لسنا في موقع القضاة العادلين، بل المدعين أمام محكمة الضمير الإنساني بالظلم الذي يعانيه العرب في فلسطين والعراق والصومال والسودان، وبمجاز الحرب الوحشية اللا إنسانية التي قتلت آلاف المسلمين في البوسنة، خاصة في حصار «سراييفو» ومذبحة «سربرنيتشا» بتخاذل قوات الأطلسي تحت العلم الأممي وبهروب قائدها الفرنسي!!

فقد تمر سنوات عديدة قبل أن يتبين لنا كامل الحقيقة عمن هم في الواقع صناع المأساة اليوغسلافية التي أشعلت الفتنة الأهلية بين القوميات المكونة للاتحاد، والتي حرضت وسلحت وفككت البلاد إلى عدة جمهوريات انفصالية، وقبل أن نحدد من الذين كانوا دعاة الحرب ومن هم أدعياء السلام، ومن كانوا صناع الظلم، ومن ظهروا كأنصار للعدالة.. ثم من هم الذين ظلموا ودفعوا ثمن تصفية الحسابات الدولية، وهيمنة وحيد القرن الأميركي.. أهم طرف واحد أم كل الأطراف؟..

أهم المسلمون البوسنيون والألبان وحدهم بعد المجازر الوحشية العنيفة ضدهم على يد الصرب والكروات ثمنا لولادة قيصرية لدولة المسلمين العلمانية الضعيفة؟! أم هم الشيوعيون الصرب والكروات أيضا بالهجمات الجوية الأطلسية التالية العنيفة لتدمير الدولة الشيوعية اليوغسلافية القوية!

.. وفيما قد يبدو دليلا على طول يد العدالة الدولية، وليس على طول الذراع الأميركية القوية وأصابعها الخفية في إشعال الحرب الأهلية لتفكيك الاتحاد اليوغسلافي، تبدو الأدلة أكثر وضوحا في الفتن الوطنية والقومية لإضعاف الدول الكبيرة والقوية المناوئة للغرب، خصوصا إذا كانت اشتراكية سابقة أو إسلامية سابقة أو لاحقة، تصفية لحسابات الحرب الباردة، وتسخينا للحروب الخامدة استجابة للإسلاموفوبيا الغربية خوفا من «الخطر الإسلامي» المدعى في الغرب، أو من «العدو الجديد» القادم من الشرق!

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com