أرجو أن نكون قد تعلمنا من مآسينا البعيدة والقريبة، ونحن نتعامل مع الموقف الخطير الذي نشأ عن طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس أوكامبو توقيف الرئيس السوداني عمر البشير، بتهمة ارتكاب جرائم حرب في دار فور. فلا نكتفي بالإدانة والشجب، أو الهتاف والرقص بالعصي، أو مخاطبة أنفسنا تاركين الرأي العام العالمي أمام الصورة التي تضعها أمامه الأطراف الأخرى، لنجد أنفسنا في النهاية أمام كارثة جديدة تضاف إلى كوارثنا العديدة.

السودان، مثل العديد من أقطارنا العربية، مستهدف ومستنزف في حروب أهلية طالت لسنوات طويلة، وضعت الجنوب على طريق الانفصال، ولطخت وجه السودان بمذابح دارفور السائر هو الآخر على نفس الطريق، بينما حركة «البجا» وغيرها في الشرق تستعد.. ليجد السودان نفسه في وجه عاصفة التقسيم أو الإذعان لشروط تحالفات النهب الدولي، أو الغرق في حروب لا تنتهي ومأساة يدفع أبناؤه جميعاً (مسلمين ومسيحيين وعربا وأفارقة) ثمنها الفادح.

وفي هذا الإطار يأتي قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية (أوكامبو) توقيف الرئيس البشير، ليقود أزمة السودان إلى منطقة بالغة الخطورة على مستقبل القطر الشقيق، وليثير الأسئلة حول استخدام القوى المسيطرة على مجلس الأمن (وفي المقدمة أميركا بالطبع) للمحكمة الدولية، لابتزاز الدول الأخرى وإخضاعها لإرادتها.

وحول كيفية مقاومة هذا التوجه الخطير، وحول ازدواجية المعايير التي تسمح بملاحقة الرئيس السوداني، وتترك السفاحين الإسرائيليين وفي مقدمتهم شارون وشيمون بيريز، ولا تحاكمهم على جرائمهم في قانا وفي صبرا وشاتيلا وفي غيرها من المذابح، وتترك دماء مليون عراقي ذهبوا ضحية الحرب التي شنها الرئيس الأميركي تذهب سدى، ولا يحاكم بوش ورامسفيلد وتشيني وغيرهم على ما ارتكب باسمهم وتحت قيادتهم من جرائم الحرب؟

وكل هذا حقيقي ولا بد من طرحه والتعامل معه ونحن نخوض معركة إنقاذ السودان. ولكن المسؤولية تقتضينا أن نعترف بأن كل ذلك هو نصف الحقيقة، أما النصف الآخر فيتعلق بمسؤوليتنا نحن (في السودان وفي العالم العربي) عما حدث وعما يمكن أن يحدث.

ولا أتحدث فقط عن مأساة دارفور، وعن فشل الحكم في السودان في التعامل معها، وعدم المحاسبة على الجرائم التي تمت، ووقوف العرب متفرجين على المأساة وهم يدركون التآمر على السودان، وحجم التدخل الأجنبي لإشعال الموقف!

لا أتحدث فقط عن مأساة دارفور، ولكن عن مجمل السياسات التي حكمت السودان الشقيق، والتي تفاقمت مع حكم جبهة الإنقاذ وإعلان «الجهاد» الذي انتهى بالرضوخ للشروط الأميركية التي وضعت الجنوب على طريق الانفصال، والذي أنهك باقي السودان ودفع الملايين من أبنائه للخروج، وفجر الخلافات التي تغذيها المؤامرات الخارجية في الشرق والغرب.

وأظن أن الكل يدرك الآن الحاجة إلى مصالحة وطنية تحشد الجميع من اجل «إنقاذ» حقيقي للسودان. وأظن أن الدفاع الصحيح عن السودان وعن الرئيس البشير معاً، يبدأ من تكوين جبهة سياسية واسعة تنبثق منها حكومة وحدة وطنية تتولى السلطة التنفيذية كاملة، وتتولى معالجة الموقف في دارفور بالحساب على ما وقع من جرائم وبالمصالحة التي تحفظ للسودان وحدته. وأظن أنه إذا احتاج الأمر لتعديلات دستورية فلن يمانع أحد، فالمهم أن نحافظ على السودان وأن نمنع المساس بكرامته، وأن نحفظ مقام الرئاسة وليس سلطاتها!!

نصف الحقيقة أيضا يجعلنا نتحدث عن المخالفات القانونية التي وقع فيها أوكامبو وهو يقدم ادعاءاته ضد الرئيس السوداني (وهي مخالفات عديدة وفادحة)، ثم نغفل أن هناك جرائم وقعت في دارفور لم تصل إلى كونها جرائم إبادة وفقاً للتقارير الدولية، ولكنها جرائم بشعة تعاملت معها السلطة في السودان باستهانة، ولو كانت هناك محاكمات حقيقية لمرتكبيها لتجنب السودان الموقف الحالي، ولأمكن حصار الموقف والسير في طريق المصالحة.

ونصف الحقيقة هو الذي يجعلنا نتحدث عن ازدواج المعايير. ولكننا نتجاهل مسؤوليتنا في ذلك! صحيح أن موازين القوى تجعل الولايات المتحدة تفرض قرارها على العالم كله، والانحياز الأميركي الكامل لإسرائيل يوفر لها الدعم والحماية، ولكن هذا كله لم يمنع محكمة العدل الدولية من أن تصدر قرارها بإدانة الجدار العازل في الأرض الفلسطينية.. فماذا فعلنا بالقرار؟ لا شيء.. وضعناه في الأدراج وذهبنا نفاوض بلا طائل، بينما الجدار يتواصل والمستوطنات تتوسع والقدس يتم ابتلاعها!! وماذا فعلنا لكي نقدم للعالم الصورة الحقيقية للجرائم التي تم ارتكابها ضد شعب العراق؟

لا شيء، إلا توقيع اتفاقيات تحمي جنود أميركا من المحاسبة على ما يرتكبونه من جرائم حرب في أراضينا!! وإلا التمسك بنصف الحقيقة الذي يقول إن هناك تآمرا علينا، ومعايير مزدوجة في التعامل معنا، بينما نصف الحقيقة الآخر يقول إننا مقصرون في الدفاع عن أنفسنا، وفاشلون في التعامل مع قضايانا وماضون في ترك الأزمات حتى تنفجر في وجوهنا.. وأظن أن أزمة دارفور هي المثال الواضح على ذلك!

كاتب مصري

elsadattt@hotmail.com