في مفهومنا اليومي فإن عبارة «سوق سمك» هي مرادف لكل معاني الفوضى والأصوات المزعجة التي يضيع معها أي صوت، وإذا ما أردنا التعبير عن حالة مكان يخلو من النظام، أطلقنا عليه مسمى «سوق سمك».

لكن ما الحال إذا كان سوق السمك نفسه «سوق سمك» بمعنى الكلمة! سيطرة آسيوية مئة في المئة، أسعار مرتفعة بلا مبرر، ليس للسمك الطازج بل حتى ذلك الذي أصابه العفن في الثلاجات يباع بأسعار السمك الوارد من الطرادات، لأنه ببساطة سوق «فالتوه» لا رقابة ولا متابعة من أي جهة حكومية أو أهلية، يحلو للباعة أن يفعلوا فيه ما شاءوا، يحددون الأسعار، ومواعيد ومواقيت إخراج السمك.

تدخل عتبة السوق لتشعر منذ الوهلة الأولى أنك أمام مافيا، إجماع على السعر بشكل لا يحدث في أكثر الأسواق اتفاقا، المبلغ الذي يذكره البائع على أول دكة السوق يكرره من يجلس في آخره، لا يتزعزع ولا يتغير، تحتج على هذه المبالغة في ارتفاع الأسعار، فتجد نفسك أمام موقفين.

إما أن يتركك وينصرف ولا يبالي بما تقول، بل وربما تمتم بما لا تفهمه، أو يعرض على مسامعك قائمة بأسعار الديزل وأدوات الصيد وأجرة الصيادين وغيرها، لتجد نفسك في نهاية المطاف لم تأخذ منه «لا حق ولا باطل»، واستسلمت واشتريت بالسعر المفروض عليك عاملا بالمقولة «مجبر أخاك لا بطل».

ليصبح الحال في النهاية هو ذاته حال الأرز، حيث يسوق التجار والموردون مع كل زيادة تفرض قسرا على السوق، قائمة من المبررات التي أدت إلى الزيادة كارتفاع الأسعار عالميا نتيجة ارتفاع أسعار الشحن والأجور والمعدات وقلة الأراضي المخصصة لزراعة الأرز، وما إلى ذلك من الحجج التي تبيح لهم الزيادة تلو الأخرى، ولا يستطيع أحد منعهم في سوق حر تصبح الهيمنة فيه للمورد لا للقرارات والقوانين.

لكن السؤال الذي لابد من طرحه في سوق السمك هو: ما هي العوامل الخارجية والأسباب القاهرة التي أدت إلى هذا الارتفاع الكبير في أسعار السمك في منطقة تحيط بها بحار وخلجان مليئة بأنواع السمك والأحياء المائية تكفي لتصديرها إلى بقاع الكرة الأرضية؟!

نعم هناك ارتفاع في أسعار الوقود المستخدم في سفن الصيد، لا خلاف على هذا، وهناك أيضا ارتفاع في أسعار المعدات وأدوات الصيد.. كلها أسباب لا ننكر أنها تؤدي إلى ارتفاع سعر السمك، ولكن ليس بهذا الشكل في مجتمع يعتبر السمك هو الطبق المفضل في وجباته اليومية، وليس غذاء موسميا.

لكن ما يوجع القلب هو أننا سلمنا رقابنا حتى في صيد السمك للآخرين، فأصبحوا يتحكمون في أطباق موائدنا حتى فيما بأيدينا توفيره وتأمينه، لأننا ركنا إلى السهل وتنازلنا بإرادتنا عن كنوز كانت تحت أيدينا.

fadheela@albayan.ae