يصعب تصور أن يكون الشاعر، برقته وحساسيته وبعواطفه الجياشة التي تفيض بها قصائده، مجرم حرب، يأمر بقتل أناس أبرياء لأنه ببساطة يعتبرهم من أعدائه. ولو كان هؤلاء الأعداء من المقاتلين الذين يريدون به سوءاً لامتلك كل العذر للدفاع عن نفسه، أما أن يكون هؤلاء ـ من يصنفهم بأعداء ـ هم من المدنيين وسوادهم الأعظم من الشيوخ والأطفال والنساء المنهكين جراء حصار دام 43 شهراً، فإن ذلك ما لا يصدقه العقل!
إنه حال المتهم رادوفان كارادجيتش (آخر مخلفات الحرب الباردة) الذي ما إن انتشر نبأ اعتقاله حتى عمت الفرحة مدينة سراييفو وهي حاضرة البوسنة، حيث أذاقها هو وزميله الفار راتكو ميلاديتش سوء العذاب، في الحرب القذرة التي استمرت في وسط أوروبا في ما كان يعرف بيوغسلافيا، ثلاث سنوات من العام 1992 إلى العام 1995، وكانت نهايتها تلك المجزرة البشعة التي راح ضحيتها حوالي ثمانية آلاف مسلم في سربرنيتشا الواقعة شرق البوسنة في يوليو من ذلك العام!
بعد مطاردة دامت ثلاث عشرة سنة وقع كارادجيتش في الفخ، والغريب أنه كان يتكسب من مهنة إنسانية وهي الطب البديل. ويبدو أن كارادجيتش كان يحسن التخفي والتمثيل.
وذلك لتضلعه بقراءة نفسية البشر، كونه شاعراً في المقام الأول وطبيباً نفسانياً حاصلا على شهادة اختصاص في مجال الاضطرابات العصبية والاكتئاب في العام 1971! ولا شك أن قدراته على التخفي كانت كبيرة، بدليل تلك الصورة التي نشرت له ويبدو فيها مختلفاً اشد الاختلاف عن صورته الأصلية التي كنا نراها أيام حرب البوسنة.
ومما لا شك فيه أيضاً أن النزعة القومية المتطرفة عند الكثيرين في منطقته، وشعورهم بأن الغرب قد دمر صربيا ومن قبلها يوغسلافيا، قد حمته طوال هذه المدة الطويلة، وهي التي تحمي زميله ميلاديتش.
ترى، ما الذي حول شاعراً وطبيباً نفسانياً إلى مجرم حرب يرتكب أفظع صنوف القتل؟ ربما تكون النزعة القومية المتطرفة مقرونة بنزعة سياسية ميكيافلية تعتقد أن »الغاية تبرر الوسيلة«، ولا تقيم وزناً للسبل الأخلاقية في تحقيق الأهداف السياسية العامة. وكانت غاية كارادجيتش، الذي تسلم رئاسة الحزب الديمقراطي الصربي (وهو حزب صربي قومي متطرف) في العام 1990 إعادة يوغسلافيا السابقة، بعد أن تحولت إلى أشلاء إثر وفاة مؤسسها الجنرال جوزيف بروز الملقب تيتو!
فقد قاد هذا الرجل المقاومة اليوغسلافية التي اندلعت ضد القوات الألمانية والإيطالية في العام 1943 أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث تمكن بمساعدة الجيش الأحمر السوفيتي من تحرير بلده في العام 1945، ثم اتخذ لنفسه منهجاً وسطاً بين المعسكرين في أوج صراعهما، وألف مع نهرو وعبد الناصر حركة عدم الانحياز التي عقدت أول مؤتمر لها في باندونغ باندونيسيا أواسط الخمسينيات. وظل الاتحاد اليوغسلافي، الذي كان يضم صربيا وكرواتيا وسلوفينيا والبوسنة والهرسك والجبل الأسود ومقدونيا، متماسكاً في حكم تيتو.
ومنطقة البلقان التي تمثل يوغسلافيا السابقة قلبها، كانت منطقة تماس بين الحضارتين الإسلامية بقيادة الدولة العثمانية، وبين الحضارة الأوروبية، حيث استطاع السلطان محمد الفاتح إخضاع المنطقة إثر هزيمة القوى الصربية في معركة كوسوفو الثانية عام 1448، وفتح القسطنطينية في العام 1453.
وما إن بدأ الفكر القومي ينتشر في العصر الحديث حتى وجد تربة خصبة في هذه الديار، ترافق ذلك مع الحرب العثمانية الروسية التي اندلعت في العام 1877، والتي أدت هزيمة العثمانيين فيها إلى استقلال صربيا من الحكم العثماني في السنة التي تلتها، ثم إعلان مملكة الصرب بعد ذلك.
لم تضم المملكة الصربية أقاليم البوسنة والهرسك وكرواتيا وسلوفاكيا، حيث أصبحت تحت حكم الإمبراطورية النمساوية الهنغارية، التي كانت تقف ضد المد القومي السلافي الداعي إلى وحدة هذه الشعوب، مما حدا بأحد أتباع هذه الحركة من المتعصبين قومياً إلى اغتيال ولي عهد النمسا في الثامن والعشرين من يونيو عام 1914، وكان ذلك الحادث »القشة التي قصمت ظهر البعير« فقامت الحرب العالمية الأولي.
توزعت تركة الإمبراطورية النمساوية الهنغارية بعد هزيمتها، فدخلت كل من صربيا وكرواتيا وسلوفينيا في مملكة واحدة تحت قيادة بطرس الأول، وتم تغيير المسمى إلى مملكة يوغسلافيا في سنة اغتياله عام 1934. وأساء خلفه بطرس الثاني الاختيار، فقد وقف مع دول المحور (ألمانيا وإيطاليا) ضد دول الحلفاء، فكانت نهاية مملكته، وقيام اتحاد الجمهوريات اليوغسلافية الشعبية برئاسة تيتو حينما وضعت الحرب أوزارها. وهذا الاتحاد ضم أقاليم البلقان المذكورة، بيد أن الصرب كانوا يمثلون عموده الفقري.
ولا شك أن اعتقال كارادجيتش وتقديمه للمحاكمة درس آخر للطغاة بأن يد العدالة ستطالهم إن عاجلاً أم آجلاً. ووجود محكمة دولية كتلك التي في لاهاي ضرورة لنظام عدالة جديد آخذ بالتشكل، يتجاوز حدود الدول التي طالما تحصن وراءها الطغاة تحت يافطة »السيادة«! وكل الأمل أن يستمر نضال الإنسانية كي تطال سلطة المحكمة الجميع، بغض النظر عن حجم الدولة وسلطانها.
كاتب كويتي