من الصعب جدا في الظروف الراهنة وخاصة عقب إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي استعداده لتقديم استقالته أو عدم الترشح مجددا لرئاسة حزبه ( كاديما ) واندلاع التنافس على خلافته في رئاسة الوزراء ، أن يفهم المرء معنى إعلان الولايات المتحدة استمرارها في العمل من أجل التوصل إلى اتفاق سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين .

على ضوء لقاء وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أمس الأول للوفدين الإسرائيلي والفلسطيني بواشنطن ، وعلى ضوء اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية التي تجعل يد الإدارة الأميركية مغلولة عن أي إنجاز ، بينما رايس نفسها تتأهب للإقلاع عن تعاطي السياسة بالمطلق والعودة إلى العمل الأكاديمي حسب تصريحها مؤخراً.

إنه سيناريو متكرر تقوم من خلاله إسرائيل في كل مرة بالتهرب من التزاماتها تجاه عملية السلام حيث يتحدد وزن السياسي الإسرائيلي في ميزان علاقته بالإسرائيليين بمقدار إعلاناته المتكررة عن الاستعداد لإعلان حرب كما كان يفعل شارون في مواجهة انتقادات نتنياهوله في الماضي، وكما يفعل اليوم موفاز باراك طمعا في خلافة إيهود أولمرت كذلك سبق أن تم اتهام شارون وهو في السلطة كرئيس لوزراء إسرائيل باتهامات فساد مشابهة تماما لتلك التي توجه لأولمرت الآن بعد قرار شارون سحب المستعمرين من قطاع غزة ، وكان ذلك بهدف حمايتهم من هجمات المقاومة الفلسطينية.

لكن من حيث الظاهر تمت المتاجرة بالحدث كدليل على استعداد إسرائيل لتقديم تنازلات وانسحابات ، ثم تأكد زيف هذه الدعاية من خلال رصد كل الخروقات والاعتداءات والحصار وكل أشكال العقاب الجماعي الذي عاناه ولا يزال يعانيه الشعب الفلسطيني الشقيق في قطاع غزة على وجه الخصوص فضلا عن الاعتداءات في الضفة الغربية أيضا.

وثمة دليل قاطع على أن اللقاءات التي تنظمها الولايات المتحدة لإعطاء الإيحاء بأن ثمة مفاوضات سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين هي مجرد حديث ( علاقات عامة ) أن شاؤول موفاز وزير المواصلات الإسرائيلي وأحد المتنافسين على خلافة أولمرت في رئاسة الوزراء صرح بانه لا يتوقع التوصل إلى اتفاق سلام قبل عام من الآن ، أي بعد أن تتم تسوية الخلافة على السلطة في كل من الولايات المتحدة واسرائيل معا ، والطريف أن موفاز ارجع اسباب هذا الارجاء إلى خلافات فتح وحماس على الجانب الفلسطيني دون أن يأتي على ذكر الخلافات العنيفة التي تجتاح الحكومة الاسرائيلية والتي تعتبر اتهام أولمرت بالفساد احد محركاتها الرئيسة .

ومن الآن ، وحتى عام مقبل على الاقل ، على المراقبين لتفاصيل الصراع العربي الاسرائيلي ألا يتوقعوا اختراقا على مسرح الاحداث ، وعليهم فقط ان يتوقعوا احاديث وتحركات لمسؤولين ولقاءات مع وفود وزيارات مكوكية إلى المنطقة يتكرر فيها الكلام عن الالتزام بالسلام مع بعد التفاصيل (الاسترضائية) لكل من الفلسطينيين والاسرائيليين على السواء ، هذا إذا افترضنا ان انتخابات اسرائيل والولايات المتحدة هما الحدثان الوحيدان هذا العام .