وقف باراك أوباما، المرشح الديمقراطي للانتخابات الرئاسية الأميركية أمام ما يقارب المائتي ألف ألماني في برلين، ليلقي الخطاب الأهم في جولته التي شملت عدّة بلدان خلال أسبوع واحد من الزمن. إنها الجولة الدولية التي لم يسبقه إليها أي مرشّح في تاريخ الانتخابات الرئاسية الأميركية، وقد أجمع المراقبون على أنها ترمي إلى «تأكيد خبرته» في ميدان القضايا الدولية؛ على عكس الصورة الني قدّمها له «معسكر» المرشح الجمهوري جون ماكين.
من المؤكّد أن أوباما قد حقق نجاحا كبيرا من حيث عدد الألمان الذين جاؤوا للاستماع إليه والتصفيق له وهم يرددون «نعم نستطيع»، أي شعار حملته الانتخابية حول التغيير. الملفت للانتباه أنهم كانوا يصفقون له حتى عندما لا يتفق معه قسم كبير منهم في ما يقول، حول أفغانستان مثلا. وحقق نجاحا في تقديم نفسه كسياسي «لا تنقصه الخبرة» على الصعيد الدولي.
ومن المؤكّد كذلك، أن اختيار المكان كان مدروسا بدقّة، فبرلين هي المدينة ذات القيمة الرمزية الأكبر بالنسبة للأميركيين في القارة الأوروبية. وجون ماكين نفسه «اعترف» بنجاح لقاء أوباما مع الجماهير الألمانية، ولكن ليس دون «وخزة دبوس» بقوله: «أحب أنا أيضا أن ألقي خطابا في ألمانيا. خطاب قد يهم الألمان... ولكنني أفضّل أن أفعل ذلك كرئيس للولايات المتحدة وليس كمرشح للرئاسة».
والخطاب نفسه الذي ألقاه أوباما في برلين كان هو الأقوى والأشمل. باختصار إنه «زبدة» برنامج المرشح الديمقراطي للرئاسة الأميركية في حال فوزه، في ما يخص العلاقة مع القارّة الأوروبية «القديمة»، وفي ما هو أبعد من ذلك في توجهاته «المعلنة» على صعيد السياسة الخارجية الأميركية. ولم يتردد أوباما في القول: «ليس هناك حليف أفضل لأميركا من أوروبا».
وكإشارة إلى واقع وجود بعض «الشوائب» في العلاقات الأميركية ـ الأوروبية، قال: «هناك في أوروبا فكرة شائعة تقول إن أميركا مسؤولة عن كل ما يجري في العالم، وفي أميركا أصوات تنكر أهمية دور أوروبا بالنسبة لأمننا ومستقبلنا.. هاتان الفكرتان خاطئتان»، و«الجدران القائمة بين الحلفاء منذ زمن طويل، لا يمكنها أن تستمر» أضاف أوباما.
على المستوى الأوسع، العالمي لخّص أوباما «حلمه» بالدعوة إلى «تهديم جميع الجدران بين الأعراق والقبائل، وبين أبناء البلدان الأصليين والمهاجرين، وبين المسيحيين والمسلمين واليهود». ثمّ أطلق ما يشبه النداء عندما قال: «يا شعوب العالم انظروا إلى برلين حيث سقط السور وتوحّدت قارّة من جديد. التاريخ يبيّن انه ليس هناك تحدٍّ يصمد أمام تصميم العالم ورص صفوفه».
وفي خضمّ هذا الزخم الداعي إلى سقوط كل الجدران، ركّز أوباما في برلين على ضرورة أن تزيد أوروبا من مساهمتها في الحرب الدائرة في أفغانستان. ولعلّ هذا المطلب كان الرسالة السياسية الأساسية في خطابه «البرليني».
أمّا المحطة الفرنسية في جولة أوباما «الدولية»، فقد كانت قصيرة جدا ولم تستغرق سوى حوالي خمس ساعات، واقتصرت عمليا على اللقاء بالرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وبعقد مؤتمر صحفي مشترك معه. لقد كان من الواضح للناظر عن قرب أن باراك أوباما أراد اللقاء مع الرئيس الفرنسي «صديق أميركا»، ولكن ليس مع الفرنسيين الذين لم ينس لهم الأميركيون العديد من المواقف «غير المتفهّمة» للسياسة الأميركية.
هذا مع العلم أن استطلاعا للرأي نشرته صحيفة «الدايلي ميرر» البريطانية في شهر يونيو الماضي، أشار إلى أن 65 بالمائة من الفرنسيين يؤيدون انتخاب أوباما رئيسا للولايات المتحدة، مقابل 52 بالمائة بالنسبة لعموم الأوروبيين. تجدر الإشارة إلى أن أوباما رفض اللقاء بممثلين عن الحزب الاشتراكي الفرنسي، وقد أثار هذا الأمر بعض «الاستغراب» في فرنسا، على خلفية الاعتقاد الخاطئ بأن أوباما من «أهل اليسار».
وتوجد في فرنسا لجان دعم شعبية لانتخاب أوباما رئيسا لأميركا، وذلك على أساس أنه يمثل «رمزا للصعود الاجتماعي والتفاعل الثقافي». هذا خاصة، وأساسا، بالنسبة لذوي الأصول الإفريقية والعرب المتواجدين في الأحزاب السياسية الفرنسية. إنهم يأملون أن تصاب هذه الأحزاب بـ «العدوى» الأميركية. للتذكير ليس هناك أي نائب فرنسي يميني أو يساري من أبناء «التنوّع» على شاكلة حالة أوباما.
وهل فرنسا اليوم على استعداد لأن تجد «أوباما فرنسي» في الدورة الانتخابية الرئاسية الثانية «الحاسمة»؟ من الصعب الإجابة بـ «نعم» عن مثل هذا السؤال في البلد الذي رفع شعارا له منذ الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789 ـ ولا يزال الشعار ساري المفعول ـ يقول: «الحريّة والمساواة والإخاء». في كل الحالات من الصعب أيضا النظر بعد الآن إلى السود كما كان الحال قبل ظاهرة أوباما، فماذا إذا جرى انتخابه رئيسا للولايات المتحدة الأميركية؟ بعدها «سيكون كل شيء ممكنا».
بالنسبة للمحطة الإنجليزية من جولة أوباما، فإنه قد يمكن تلخيصها برسالة واضحة وبليغة، هي أن حقبة جورج دبليو بوش قد انتهت حقيقة وبدأت فترة ما بعده... أوباما أو ماكين. وقد يمكن القول هنا بسرعة، دون مجازفة كبيرة، إن الأمور لم تحسم. ورغم «تفوّق» أوباما في جميع استطلاعات الرأي، فقد حدث كثيرا و«كذّبت» صناديق الاقتراع هذه الاستطلاعات.
وفي المحصّلة، لنفترض أن باراك أوباما قد فاز وأصبح أول رئيس أسود في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، فبماذا سوف تختلف سياسته عن الرؤساء الآخرين؟
قبل الخوض في أية إجابة، ينبغي قبول أنه ليست هناك سياسة سوداء وسياسة بيضاء في العالم، ولكن هناك سياسة ومصالح دول وموازين قوى، وأميركا هي التي تجسّد بامتياز المقولة الشهيرة: «ليس هناك أصدقاء دائمون، وإنما هناك مصالح دائمة».
وقد يمكن التفكير أن دعوات أوباما لقيام عالم بـ «لا جدران» تفتقر إلى طرح أية فكرة محددة حول ملفات «متفجّرة». فالقضية الفلسطينية لا «جديد» حيالها سوى التأكيد على سلامة إسرائيل وحماية أمنها. كذلك غياب أي موقف حاسم حيال الخروج الأميركي من العراق، والحديث يتم دائما عن «خطأ» وليس عن «خطيئة». باختصار، ورغم النوايا الطيّبة، قد ينبغي الكفّ عن الإفراط في التفاؤل، فالجديد قد يكون استمرارا للقديم. هذا مع القناعة أن لباراك أوباما قناعاته وطموحه السياسي.
ما سيتغيّر حقيقة، هو أن الحلم الذي صاغه القس الأسود مارتن لوثر كنغ عام 1953 والخاص بانتخاب رئيس للولايات المتحدة بغضّ النظر عن لون بشرته، يكون قد تحقق.
كاتب سوري