لقد راهن البعض منذ زمن على أن المؤسسات الثقافية الرسمية يمكن أن تقوم بدور ثقافي جيد، وبخاصة في منطقة الخليج العربي بسبب الإمكانيات التي تملكها دول المنطقة، واقتطاع جزء من أموال الدولة للصرف على الثقافة، سواء عن قناعة منها بها أو بفعل وجود عناصر مثقفة مؤسسة لتلك المؤسسات وداعمة لها.
وقد نجح بعضها فعلياً في تأسيس إصدارات ثقافية، ونشر كتب ثقافية، والقيام بأنشطة ثقافية جيدة، شكلت سمعة إضافية هامة لدول الخليج العربية لدى المثقفين في العالم العربي وخارجه، بأن لدى شعوب دول مجلس التعاون ثقافة جيدة تقدمها لشعوبها وللآخرين، وليس الأمر مقتصراً على ثرائها المادي فحسب.
وعلى الرغم من أن الثقافة ليست أساسية ضمن استراتيجيات وخطط دولنا، إلا أن مثل ذلك النشاط كان ولا يزال في بعض دول المنطقة يحتل مساحة مضيئة في تاريخنا المعاصر. إنه من الطبيعي أن نحكم على نوعية الثقافة ومدى أهميتها، إذا كانت تنبع من مؤسسات المجتمع المدني الموازية للمؤسسات الرسمية والرديفة لها، ولا نعوّل كثيراً على المؤسسات الثقافية الرسمية.
لكن لأهمية دور الثقافة في التنمية والنهضة، فإن المؤسسات الثقافية الرسمية والأهلية مطالبة بدور فاعل في ذلك، والأزمة التي نحن بصدد توصيفها ومعالجتها في دولنا ذات شقين: قصور وتراجع وضعف في الدور الثقافي لمؤسسات المجتمع المدني، وهيمنة الدولة وبيروقراطيتها وطموحات المسؤولين الشخصية الذين يتبوأون مراكز قيادية في المؤسسات الثقافية الرسمية.
البعض يفهم الثقافة بأنها النشاط الأدبي، وآخر يفهمها على أنها النشاط الصحافي، وثالث يرى غير ذلك. لسنا هنا في مجال تعريف الثقافة والمثقف، لكن المثقف الحقيقي هو الملم بشيء من كل شيء وله اهتمامات أو إبداعات خاصة، ويؤثر في واقعه باتجاه التغيير والتقدم. لكن بعض الموظفين المسؤولين على رأس المؤسسات الثقافية يمارسون تسلطاً على الثقافة والمثقفين باسم الثقافة، وجاءوا بالصدفة أو بالواسطة إلى هذه المواقع، ولا يعرفون ما هي الثقافة، وما هو دورها، ويغطون على عجزهم الثقافي بممارسات تسلطية مستغلين الصلاحيات الممنوحة لهم.
لكن تحجيم الثقافة والمثقفين وتقزيمها يعود أيضاً لسعي بعض القائمين على هذه المؤسسات، مثل بعض المجالس الوطنية للثقافة في بعض دولنا، للبقاء في مواقعهم أطول مدة ممكنة، للامتيازات المادية والأدبية العديدة والكبيرة التي يتمتعون بها (والتي بعضها يصل إلى حد ضرورة المساءلة من أن أين لك هذا؟)، استغلالاً متنوعاً للمؤسسة وأنشطتها ليكون المسؤول الأوحد رئيساً للجان المهرجانات الاحتفالية الثقافية في الداخل والخارج، ورئيساً لإصدارات ودوريات المجلس وسفريات شهرية لها مخصصات مجزية ومكافآت تساوي حجم مرتبه الشهري أو تزيد!
إذن المسألة ليست ثقافية نوعية للأوطان، وإنما مصالح فردية شخصية واستغلال لهذه المؤسسات. إن بعض هؤلاء المسؤولين الذين تولوا مسؤولية هذه المجالس كانوا مثقفين جيدين، ولأنهم جيدون لم يستمروا في مواقعهم. لكن ابتليت الثقافة والمؤسسات الثقافية في بعض دولنا بأدعياء الثقافة، ولا نقول أنصاف المثقفين لأنهم ليسوا كذلك.
وعلينا أن نفرّق بين المؤسسات العلمية والمراكز البحثية وبين المؤسسات الثقافية، فالمؤسسات العلمية والمراكز البحثية حكومية أم خاصة لها مهمة ودور مختلف عن دور المؤسسات الثقافية، على الرغم من مصاحبة الثقافة لمهامها العلمية الرئيسية.
لكننا نتكلم عن المؤسسات الثقافية حصراً، فكيف بالله عليكم يتولي مسؤولية مؤسسة ثقافية من ليس لديه حس ثقافي، ولم يسمع عنه أحد ولم يسمع له أحد محاضرة ثقافية في حياته، ولم يقرأوا له مقالاً جيداً في صحيفة مثلاً أو يصدر كتاباً ثقافياً.. يخرج علينا فجأة كنبات الفطر ليتولى مسؤولية مؤسسة ثقافية رسمية، ويقوم بتوظيف صحافيين أو كتاب يستخدمهم في الكتابة باسمه، وتكتب له تقارير العمل وكلمات افتتاح المهرجانات والمعارض وغيرها؟!
إننا نعيش عصراً اختلط فيه الحابل بالنابل، الجيد بالسيئ وأصبح المشهد الثقافي أمامنا ضبابياً. وسيخرج علينا أولئك أو أنصارهم أو المثقفون الضعفاء ليصفوا ما ذهبنا إليه بالعدمية والتشاؤم والمبالغة، لأننا فعلياً وضعنا يدنا على الجرح وبدأوا يتألمون، وعندها تخرج التبريرات، ثم حملة إعلامية لتلميع أولئك الذين يحتاجون إلى إعادة تأهيل في الثقافة، أو تنحيتهم عن قيادة المؤسسات الثقافية الرسمية.
من التبريرات أنه ليس بالضرورة أن يكون القيادي في مؤسسة ثقافية له نشاط ثقافي، لأنه واضع سياسات ثقافية! لكن من لم يملك حساً ثقافياً أو لم يكن مثقفاً، لا يمكن أن يضع سياسات ثقافية، وفي هذا الصدد نود أن نذكر مثلين على ما ذهبنا إليه.
فقد تولى مسؤول مرة مسؤولية الثقافية في إحدى دول مجلس التعاون، وبحكم منصبه أصبح رئيساً للمجلس الوطني فتساءل سؤالاً غريباً: لماذا نصرف الأموال على إصدار الكتب والدوريات؟ وما هو المردود؟ إن معهد الأبحاث يستزرع الأسماك ونستفيد منها، لكن ماذا نستفيد من تلك الإصدارات؟!
وفي المقابل قال مسؤول آخر جاء بعده، وكان لديه حس ثقافي إن دعم وتشجيع الإصدارات والمؤسسات الثقافية أهم من المجمعات والجسور التي نقيمها. لكن المشكلة تكمن في أن النموذج الأول يتوفر منه الكثير ويتكرر كما الاستنساخ، لكن النموذج الثاني محدود جداً.
إن مؤسساتنا الثقافية الرسمية تحتضر وأهمها المجالس الوطنية للثقافة، ولما كان دور هذه المؤسسات هاماً في هذه المرحلة التاريخية لتوفر الإمكانيات ولتدهور الثقافة، فإن عملية جراحية مطلوبة لإنقاذها مما آلت إليه. فالعملة الرديئة تطرد العملة الجيدة مع الأسف الشديد، وبما أن على المثقف دوراً ناقداً للواقع، فإن نقد الثقافة والمؤسسات الثقافية بالإضافة إلى ذلك واجب من صميم مهمة المثقف.
لقد طفح الكيل في بعض تلك المؤسسات، ولا مجال للسكوت أو التردد في النقد، وإن لم نقلها فلا خير فينا لأن الثقافة النوعية المؤسسية أساس التنمية والنهضة والتقدم.
كاتب كويتي
