قيمة الأوطان بين الأوطان إنما تنبع من قيمة رصيدها من العلماء والمفكرين ومن الرجال والأبطال، ولا يعرف قيمة الرجال إلا الرجال، ولا يقدر وزن الكرام إلا الكرام. والوطن الذي لا يعرف قيمة علمائه ومفكريه، ولا يقدر عَرق عامليه وبنائيه، ولا يكرم رجاله ومناضليه، خصوصا في حياتهم وليس بعد رحيلهم، يهدر قيمة الإنسان الأعلى من كل بنيان، ويخصم الكثير من رصيده الإنساني والحضاري بين الأوطان.
ورغم حرصي الشديد على عدم الوقوع في ورطة الحديث عن الأشخاص والتركيز فقط قدر الإمكان على تناول الموضوع أو الحدث، ورغم الحذر الذي يعتريني والتردد الذي ينتابني في كل مرة أتناول فيها بالذكر شخصية لا موضوعا، خصوصا بالاستحسان أو الاستهجان، مخافة ظلم النفس بالتهويل أو بالتهوين، أو خوفا من الوقوع في ظلم الغير بالمبالغة أو التقتير، سواء بالإشادة بما لا يستحق أو بالإدانة بما ليس كله حق..
إلا أن هناك شخصيات تبدو فريدة وليست عديدة، لا ينفصل فيها كثيرا قيمة الموضوع عن قيمة الشخص، حين يترجم عمله فكره، وحين يصدق عمله قوله، وحين يبدو نموذجا للمثل العليا يمشى على الأرض، وتجربة إنسانية بناءة تبقى على الأرض..
مثل هذه الشخصيات نظلم أنفسنا بأكثر مما نظلمها هي، إن لم نحترمها ونقدرها ونكرمها على ما أعطت من فكرها ونضالها بإخلاص لشعوبها وأوطانها لا لذواتها، وتجرد من رغبة في الجاه أو في المال، فاستحقت الشكر والتكريم من شعوبها وأوطانها لأن «من لا يشكر الناس لا يشكر الله».
فما بالكم برجل تتجمع فيه كإنسان أخلاق النبل والتوازن والشجاعة والصدق، وتجتمع فيه كرجل دولة صفات المفكر والمناضل، والاقتصادي والسياسي، والإنساني والحضاري، استحق أن يسبغ عليه رجال وطنه لقب «ضمير لبنان» منذ سطعت شخصيته النقية، بثباتها المبدئي وسياستها الوطنية منذ منتصف السبعينات، ليس لوطنه فقط بل لأمته أيضا، بما استحق معه أن يطلق عليه رجال أمته أيضا «ضمير العرب».
إنه الدكتور «سليم الحص» الرجل الذي ما عرف في وطنه ولا في أمته إلا بالعصامية والشرف في نشأته القاسية أو في مواقعه العالية، في موقع الثروة أو في موقع السلطة، في معسكر النضال والمقاومة لا التخاذل والمساومة، وفي تحالفاته وفي خصوماته بلا مداهنة أو مهادنة، سواء كأستاذ أكاديمي في الجامعة أو كوزير سياسي أو كرئيس للحكومة، أو في موقعه الوطني كزعيم لتيار الطريق الثالث من على منبر الوحدة الوطنية اللبنانية، وداعية الوحدة العربية من على منابر المؤتمر القومي العربي ومركز دراسات الوحدة العربية.
هذا الوطني اللبناني من غير الساسة، والقومي العربي من غير شوفينية، والمسلم الذي اختار شريكة عمره المسيحية، والسني بهوى شيعي من غير عصبية مذهبية، والشديد الإعجاب بالزعيم الكبير جمال عبد الناصر، كان جديرا بتكريم رجال شرفاء من وطنه وأمته في احتفال شعبي ورسمي كبير، في يوم خالد من أيام شهر الثورات والانتصارات الخالدة له معناه ومغزاه في التاريخ اللبناني والعربي، بمنحه «جائزة جمال عبد الناصر». هذا الاسم الذي ما زال له قيمته ومعناه ودلالته ومغزاه، في نضال الشعب العربي في معاركه المتواصلة ضد المشاريع الاستعمارية الجديدة، سعيا من أجل الحرية والوحدة والعدالة الإنسانية