كان متوقعاً أن تنتهي مفاوضات منظمة التجارة العالمية التي عقدت في جنيف بين الحادي والعشرين من يوليو الجاري والتاسع والعشرين منه والتي كانت تأمل أن يتوصل وزراء ومفوضو الدول المشاركة إلى احياء ما عرف بـ(جولة الدوحة) بعقد اتفاقيات تخطو إلى الأمام في تحرير التجارة العالمية.

غير أن عمق الخلافات وتجذرها، والتي يعود بعضها إلى نيّف ونصف قرن، جعلت من الصعب على الدول الأربعين المشاركة في المفاوضات قبول حتى الحد الأدنى من التوافق بين الفرقاء. وكانت ولا تزال وستبقى تجارة المنتجات الزراعية هي العقبة الأصعب على إيجاد حل لتنظيمها في إطار التجارة العالمية.

وخلال مجريات تسعة أيام من المفاوضات المكثفة، اشتقّت عن المعضلة الزراعية مشاكل أخرى، تلك هي تجارة المنتجات التي تعتمد مواردها الأولية على الزراعة، ثم أدى إصرار الدول الغربية (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) على وجوب خفض أو رفع الرسوم الجمركية على المنتجات الصناعية الغربية من قبل الهند والصين، إلى تمسك الأخيرتين بمطالبة الدول الغربية برفع الرسوم الجمركية عن صادراتهما من الملابس والصناعات الجلدية والغذائية، فضلاً عن اشتراطات على المنتجات الصناعية الأخرى.

ولم يقتصر الخلاف على دول غرب العالم وشرقه وإنما شمل أمريكا من جهة وأوروبا من جهة ثانية على خلفية الدعم الزراعي المقدم من كل دولة أو مجموعة لمزارعيها، وكان هناك لاعب قوي آخر وهي مجموعة أمريكا اللاتينية التي مثلتها البرازيل بقوة.

وتداخلت وتعقد الأطروحات الأمر الذي جعل من غير الممكن لأي طرف قبول مقترحات أي طرف آخر، فوجد الجميع أن من غير المجدي الاستمرار فيما لم يكن ممكناً خلال تسعة أيام من التناقضات التي وصل بعضها إلى التصادم الكلامي.

إذن ما هي التبعات المحتملة بعد أن صارت شعارات منظمة التجارة العالمية بعد سلسلة من الاخفاقات للتوصل إلى حد أدنى مقبول ينظم تجارة دول العالم؟ ومباشرة بعد انتهاء المفاوضات علت أصوات تدعو الدول إلى عقد الاتفاقيات الثنائية بعيداً عن منظمة التجارة العالمية، وقد وجد البعض أن ذلك الأسلوب هو الأقرب إلى تنظيم العلاقة التجارية بين طرفين أو أطراف سواء في تجارة المنتجات الزراعية أو الصناعية... وغيرها.

ولا بد أن ينعكس ذلك الفشل على الدول الأكثر استيراداً لمعظم الحاجات السلعية زراعية أو صناعية وحتى الخدمية منها، ولا بد أن تحسب الدول المصدرة لإجراءات الحماية التي يمكن أن تتخذ للحد من منافسة المنتجات المصدرة لمنتجاتها الوطنية، وعندئذ سيشهد الاقتصاد العالمي موجة تضخم أخرى تدفع بالأسعار إلى أعلى، وبما ان دول العالم الصناعية تتمتع بقدرات إنتاجية محلية ذات معولية عالية في أسواقها، فإن معظم الدول النامية التي تعتمد أسواقها على الاستيراد ستشهد ما يعرف بـ(التضخم المستورد).

إنَّ انهيار مفاوضات التجارة العالمية في جنيف أكد حقيقة جديدة وهي ظهور آسيا كقوة اقتصادية لا تقل صلابة ومنعة عن مثيلتها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، فالصين والهند ومعهما مجموعة (النمور الآسيوية) يعضدها تدفق أكثر من 50٪ من نفط العالم من المنطقة العربية الآسيوية، يمكن اعتبارها كتلة اقتصادية يمكن أن تتكامل عبر الاتفاقيات الثنائية أو الإقليمية عند تعرض مصالحها للتهميش. كما أدرك وزراء 40 دولة شاركت في مفاوضات جنيف أن مصانع آسيا وزراعتها تنتج وتغل معظم الحاجات السلعية الأساسية والكمالية.

ولا بد أن اخفاق منظمة التجارة العالمية في التوصل إلى اتفاقيات منصفة للجميع أن يؤدي إلى تكتلات تعيد العالم إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية بعد أن أصبح شعار تحرير التجارة حلماً غير قابل للتحقيق.