مرة أخري يعود الاهتمام بدول حوض النيل‏..‏ ووضعها علي رأس قائمة أولويات السياسة المصرية إنما يمثل رؤية مصرية جديدة لدول حوض النيل في ظل النظام العالمي الجديد‏..‏ رؤية يضع أسسها الرئيس مبارك‏..‏ ويضع خطوطها العريضة‏..‏ ويقود لتنفيذها فريق عمل مصريا علي أعلي مستوي‏.‏

الوضع الدولي الراهن يحتم علي مصر الانطلاق جنوبا في الوقت الذي تدير فيه سياستها الخارجية علي المستويين العربي والإقليمي الشرق أوسطي‏,‏ وعلي مستوي العلاقة مع الاتحاد الأوروبي‏,‏ وشمال أمريكا‏,‏ وشرق آسيا‏,‏ وأمريكا اللاتينية‏.‏

مصر تضع سياستها الخارجية علي قواعد العدل والسلم الدوليين‏,‏ وهي قواعد مستقرة منذ أن أسهمت في إنشاء عصبة الأمم والأمم المتحدة‏,‏ وسياستها تجاه إفريقيا‏,‏ وبالتحديد دول حوض النيل في ظل نظام دولي متغير‏,‏ تحكمها اعتبارات عديدة‏:‏

الاعتبار الأول‏:‏ إن الحفاظ علي أمن النهر يمثل أولوية قصوي لدي مصر‏,‏ وكما قال هيرودوت‏:‏ مصر هبة النيل فإن السياسي المصري المعاصر يعلم أهمية النهر في حياة المصريين‏,‏ ويسعي إلي وأد النزاعات في الدول التي يمر بها النيل من منابعه في بوروندي‏,‏ مرورا بأوغندا‏,‏ ووصولا إلي السودان جنوب مصر‏.‏

مصر تضع نصب أعينها أهمية أن يحل السلام في دول الحوض‏,‏ لأن السلام كفيل بالتوزيع العادل لمياه النهر‏,‏ والسلام كفيل بنشر الرخاء بين شعوب دول النهر‏.‏

وتمثل المساعدات الفنية والتكنولوجية التي عرضتها مصر علي أوغندا أمس التزاما أصيلا من مصر لتطوير البنية الأساسية لدول النهر‏,‏ لأنه بدون بنية أساسية متطورة لن يمكن تحقيق الاستقرارية‏,‏ تطوير الطرق والسكك الحديدية‏,‏ وخدمات المياه النقية هي مسألة بالغة الأهمية للشعوب الإفريقية‏.‏

وحين يعرض الرئيس الأوغندي موسيفيني بالأمس علي الرئيس مبارك استعداد أوغندا لاستقبال الاستثمارات المصرية لإقامة مزارع بمساحات واسعة‏,‏ إنما يعبر عن إدراك كبير لانعكاسات أزمة الغذاء العالمية علي العالم‏,‏ وبالتحديد علي شعوب القارة الإفريقية التي عانت ويلات المجاعات سنوات طويلة‏,‏ نظرا لعدم تطور البنية الأساسية‏,‏ وعدم القدرة علي استغلال الموارد الطبيعية بشكل يحقق لشعوب إفريقيا الاكتفاء الذاتي من الغذاء‏.‏

الاعتبار الثاني‏:‏ إن تدعيم العلاقات المصرية بدول حوض النيل إنما يمثل جزءا أصيلا من الاستراتيجية المصرية طويلة الأمد‏..‏ هذا ليس معيارا عابرا‏,‏ وإنما معيار ثابت في العلاقات الدولية لدول حوض النهر‏.‏

الاعتبار الثالث‏:‏ لقد ثبت بالقطع وباليقين أن تنمية إفريقيا لن تتم إلا بسواعد أبنائها‏.‏ لقد قطع حوار الشمال ـ الجنوب مشوارا طويلا لم تنتج عنه نتائج واضحة لمصالح دول الجنوب‏..‏ أوروبا معنية فقط بمسألة تأنيب الضمير الناتجة عن الميراث الاستعماري طويل الأمد الذي تم خلاله نهب ثروات إفريقيا الطبيعية‏,‏ واستخدام الموارد البشرية للعمل بالسخرة في أمريكا الجديدة‏,‏ أو في أوروبا‏..‏ ما بعد المرحلة الكولونيالية‏.‏

أما مسألة ضخ المليارات من الاستثمارات الغربية في دول القارة فهذا ما لم يحدث‏..‏ ولن يحدث‏.‏

التعاون الإفريقي ـ الإفريقي هو الحل لنزاعات القارة‏,‏ ولأزمة الغذاء العالمي‏..‏ ولاستقرار القارة السمراء بشكل عام‏.‏