بمنطق الأجواء السائدة في قطاع غزة منذ الصيف الماضي، فإن الاستنتاج بأن عناصر من حركة »فتح« تقف وراء تفجير الشاطئ الوحشي يبقى استنتاجا سهلا ومريحا للذهن أيضا، لكن ثمنه فادح جدا على المدى البعيد.
فداحة الثمن هنا لا تأتي من يقين ببراءة حركة »فتح«، بل لأن كلا من »حماس« و»فتح« غرقتا في تفاصيل خلافهما وتجاوزتا حدود الخطر في هذا الغرق. حدود الخطر هذه مهما تنوعت وتعددت، فهي ستلتقي في النهاية عند خط واحد أساسي هو: »الاختراق الإسرائيلي«.
لقد أضعفت الخلافات بين فتح وحماس القوة الذاتية الفلسطينية إلى ابعد الحدود، وأوصلت الوضع الفلسطيني إلى نقطة ضعف غير مسبوقة في تاريخ النضال الفلسطيني. ورغم بلاغة الطرفين في هجاء الاحتلال ومؤامرات الاحتلال، فإن كليهما يوالي ارتكاب الخطأ تلو الآخر ويسيران في مستنقع الخلافات دون كابح.
هناك سؤال يتعين التوقف أمامه بعد تفجير غزة الإجرامي: لماذا سارعت حماس إلى اتهام حركة فتح بالوقوف وراء التفجير وسارعت إلى اعتقال أكثر من 100 من عناصر فتح حتى اليوم وقامت بإغلاق مقرات الحركة في غزة؟ لقد ردت السلطة التي تقودها فتح في الضفة الغربية بإجراءات مماثلة فاعتقلت 50 عنصرا من حماس في الضفة الغربية.
التفسير الذي يمكن أن يطرح هنا هو أن مسارعة حماس إلى اتهام حركة فتح، يقف وراءه بالتأكيد تقييم راسخ بتوقع تصعيد خطير مثل هذا من قبل فتح، وهذا لا شك يتعين أن يستند إلى معلومات دقيقة وموثوقة. وفي حوادث مثل هذه، فإن الاتهام لا بد أن يستند إلى معلومات استخبارية موثوقة عن الجهة التي تقف وراء التفجير.
وإذا كانت مثل هذه المعلومات غير متوفرة، فإن التفسير المنطقي هنا هو أن الاتهام والاعتقالات التي تلته إجراءات وقائية. ولربما أن الدوافع للاتهام والاعتقالات سياسية بالدرجة الأولى، مرتبطة بالخلافات السياسية الشديدة بين الطرفين. لكن في كل الحالات هناك ثمن وتبعات ستترتب على هذا كله.
فإذا كانت المعلومات استخبارية وموثوقة والأدلة قوية، فهذا تصرف طبيعي، وربما يزيد البعض بأنه حكيم وينم عن كفاءة للأجهزة الأمنية التابعة لحماس. لكن إذا كانت وقائية أو متأثرة بالخلاف السياسي، فإن حماس ارتكبت خطأ من غير أن تدري إذا أخذنا بالتفسير حسن النية. والمنطق يقتضي هنا أن تبادر الحركة إلى تصحيح هذا الخطأ إذا ثبت من خلال التحقيقات أن »فتح« بريئة من الاتهامات.
بودي أن أتصور تفسيرا مغايرا دون الوقوع في أسلوب التفكير بالأمنيات (wishful Thinking)، أي أن تكون كل هذه الإجراءات خطوة ذكية ضمن جهد بحثي لا يسقط من حسابه وقوف أطراف أخرى وراء التفجيرات، من أجل إذكاء الخلافات بين فتح وحماس وجر الطرفين من جديد للاقتتال وتجديد الاحتراب الأهلي الفلسطيني.
هنا سنصل إلى ذلك النوع من الاستنتاجات التي توصف بأنها تحصيل حاصل، إذا ما قلنا إن ذلك الطرف الثالث الذي نبحث عنه هو إسرائيل.
ما يدفعني أو غيري لمثل هذا التفكير هو توقيت عملية الاغتيال. لقد جاءت الجريمة في وقت يتجه فيه الطرفان، بعد فترة من الهدوء والاتصالات المباشرة وغير المباشرة، إلى الحوار.
لقد زادت الهدنة السارية بين حماس وإسرائيل من فرص التفكير الهادئ لدى قادة حماس بعيدا عن الضغوط، مثلما دفعت خيبات مفاوضات السلام السلطة إلى إعادة النظر في خيار تقوية الجبهة الداخلية الفلسطينية عبر الحوار مع حماس. الطرف الوحيد الذي يواجه درجة أعلى من الضغوط حاليا هو الإسرائيليون.
في الواقع، فإن الإسرائيليين هم الطرف الوحيد الواقع تحت الضغط من منظور زمني محض، منذ أن تم التوقيع على اتفاق أوسلو، وكل ما فعله الإسرائيليون منذ ذلك اليوم وحتى الآن هو تحويل الضغوط إلى الفلسطينيين والعرب. السبب واضح جدا: الاستحقاقات الكبرى والمؤلمة للسلام مطلوبة من الإسرائيليين: الانسحاب من الأراضي الفلسطينية وإعادة هضبة الجولان ومزارع شبعا.
ليس هناك أي فصيل فلسطيني محصن من اختراقات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بما فيهم فتح وحماس، ولعل قادة حماس يدركون جيدا معنى هذه الاختراقات، وهم يستذكرون كيف قضى قادتهم نحبهم على يد الإسرائيليين باختراق أمنهم الشخصي.
بالحس السياسي، فإن توقيت عملية التفجير يشير إلى احتمال منطقي آخر، هو وقوف طرف يريد إذكاء الخلافات بين التنظيمين، ولن يعدم الوسيلة ولا المنفذين في ساحة مثل الساحة الفلسطينية.
لقد اغتيل الشهيد الشيخ احمد ياسين بمعلومات استخبارية حددت موقعه بالضبط تماما، مثلما جرى مع الشهيد عبد العزيز الرنتيسي، ومن قبلهما الشهيد المهندس يحيى عياش بهاتف نقال مفخخ زوده به أحد أقربائه ممن جندهم الموساد الإسرائيلي، فلماذا يستبعد احتمال أن يكون الإسرائيليون ضالعين في تفجير غزة الأخير بأدوات فلسطينية؟
الآن ومع وصول الوضع إلى ما هو عليه من اعتقالات واتهامات، ليس هناك من مسؤولية ملقاة على مسؤولي حماس سوى مباشرة التحقيقات بشفافية وتجرد، بعيدا عن أي تأثيرات. المسؤولية الملقاة على عاتقهم الآن كبيرة وتاريخية.
فهم إما أن يقودوا الساحة الفلسطينية إلى تصحيح خلل كبير يعتريها واختراق كبير للأمن الوطني الفلسطيني بمفهومه الشامل، وبالتالي يمنحون الشعب الفلسطيني حصانة إضافية ضد الاحتراب الأهلي، وإما أن يقودوا الوضع إلى الاحتراب.
ثمة مسؤولية ستلقى على عاتق فتح إذا أثبتت تحقيقات شفافة ومتجردة أن عناصر منها تورطت في الاغتيال. وسواء كانت عناصر منفلتة أو غير منضبطة أو تصرفت من نفسها أو تم تجنيدها من قبل العدو، فإن على فتح مسؤولية مماثلة ولربما تقتضي تصرفا غير مسبوق، لتجنب المنزلق الذي يريده من نفذ هذه الجريمة.
كاتب وصحافي بحريني
