يعكس الانقسام الذي ميز مناقشات مجلس الامن الدولي مؤخرا بشأن مذكرة مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية من اتهام الرئيس السوداني بالابادة الجماعية المدى الذي تصل علاقات عواصم القرار الدولي ازاء الصراعات وبؤر التوتر العديدة في العالم والتي تضع الامن والسلم الدوليين في دائرة الاستهداف والارتهان لمصالح الاستراتيجية لهذه الدولة العظمى او تلك الكبرى حيث لم يعد بمقدور احد منها حجب هذه الحقيقة المرة التي تفرض نفسها للاسف على المشهد الدولي والذي نرى ترجمتها في الاستعصاء وعرقلة الجهود المبذولة لحل هذه الصراعات واطفاء الحرائق المشتعلة هنا و هناك وبخاصة في فلسطين ودارفور وغيرهما.
الانقسام الراهن في مجلس الامن ليس جديدا واحتمالات التوصل الى حلول وسط يمكن ان تكون قريبة او واردة لكن المناقشات التي دارت في الجلسة المخصصة لهذه المسألة تعكس في جملة ما تعكس اصرار ثلاث من عواصم القرار الدولي وصاحبة العضوية الدائمة في المجلس على تكريس نهج المعايير المزدوجة الذي تعاملت به منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى الان وخصوصا في بداية تسعينات القرن الماضي بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي وخروج مزاعم وادعاءات ومواقف عديدة تقول بانتصار الرأسمالية والليبرالية واقتصاد السوق على الاشتراكية والشمولية ومركزية التخطيط والانغلاق.
للزمن ان يحكم ان كان المنتصرون قد بذلوا جهوداً مخلصة لبناء نظام دولي جديد ينهض على قيم العدالة والانتصار لحقوق الانسان واحترام الخصوصيات الثقافية للشعوب واتخاذ الاجراءات والتشريعات اللازمة لمحاربة الفقر والامراض والاوبئة ومنع نهب ثروات شعوب الدول النامية وتطبيق القانون الدولي ومحاربة الاستعمار والاحتلال وتمكين الشعوب من تقرير مصائرها بنفسها دون تدخل او وصاية من احد ووضع حد لعسكرة العلاقات الدولية والحزم ازاء محاولات الدول القوية احتلال اراضي الغير بالقوة وعدم السماح بشن الحروب خارج اطار الشرعية الدولية ومكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري والمحافظة على البيئة.
نعلم ان شيئاً من هذه الاهداف الانسانية النبيلة لم يتحقق طوال عقدين تقريباً بل ان اعمالاً مناقضة لها قد تم ارتكابها من قبل قوى عظمى كان خطابها (قبل انتهاء الحرب الباردة) يحفل بشعاراتها ويواصل نعت خصومه او منافسيه او اعدائه بها.
ما لفت الانتباه على نحو يثير الريبة والاستغراب هو ان الولايات المتحدة وفرنسا ودولاً غربية اخرى تريد الفصل بين مسألتين ارادت دولتان في المجلس (جنوب افريقيا وليبيا) بدعم من موسكو وبكين الربط بينهما من خلال اقتراح بإضافة فقرة توقف أي تحركات من جانب المحكمة الجنائية الدولية الى قرار يهدف مدّ تفويض قوة حفظ السلام المختلطة في دارفور التي تنتهي مدة تفويضها يوم غد الخميس.
هل يمكن وصف رفض الاقتراح هذا سوى انه كيل بمكيالين واصرار على تغييب معايير النزاهة وخدمة الامن والسلم الدوليين الذي لا يستطيع احد انكار ان مسألة دارفور تسهم بهذا الشكل او ذاك بتكريسها اذا ما تم قبول الاقتراح وربط المسألتين او تضع المنطقة وافريقيا بأسرها في دائرة الفوضى والمجهول.
ثمة حاجة لإعادة النظر في مواقف الدول الرافضة للربط بين المسألتين لأن انتهاء تفويض القوات المختلطة دون قرار بتمديد مدة عملها يعني وضع السودان امام خيارات صعبة وخطيرة ونحسب ان لا مصلحة لأحد في حدوث امور كهذه مهما كانت الاسباب والمبررات.
