لا يكاد يمر يوم دون أن نقرأ خبراً عن حادثة اختلاس أو سرقة أو نهب أو خيانة الأمانة تقع بالعشرات بين ظهرانينا كل يوم وكلها بالملايين، فهذا محاسب اختلس من شركة، وآخر من بنك وثالث من بيت حتى المدارس لم تسلم من اختلاسات وسرقة ما بخزائنها.

واقع يطرح تساؤلات، هل الملايين متناثرة عندنا هكذا حتى تسهل سرقتها؟ ان السارق يفر بالغنيمة في كل الحالات إلا حالات قليلة هي تلك التي يضبط فيها ، هل نحن كأشخاص عاديين أو مؤسسات كبيرة مهملون إلى درجة يستغفلنا البعض، ويظن نفسه عبقريا فيختصر سنوات الكدح، ويعود إلى بلاده، وقد حقق حلم الثراء الذي اغترب من أجله.

الأمر لم يعد مقتصرا على شركات تبيع الوهم للناس اللاهثين وراء الثراء، بل في سرقات واختلاسات تتم بالجملة في مؤسسات كبيرة من المفترض أنها تتمتع بأعلى درجات الحماية التي تمنع وقوعها وتحظى برقابة دقيقة على أموالها، لكنها تتعرض لما تتعرض له البيوت على أيدي الخدم أو الفئات المساعدة المنزلية - كما يريد المسؤولون في إدارات الجنسية والإقامة أن نسميهم - لتصبح في النهاية النتيجة هي ذاتها، ضياع أموال.

ترى هل ما يحدث يقع في نطاق تطور الجريمة ام أن الأنظار اتجهت صوب الجرائم الاقتصادية تماشيا مع لغة العصر، وإيقاعه المادي الذي لا يسمع في حضوره أي صوت آخر؟ أم هي نظرة «غرف الملايين بالرفش» كما يظن البعض فجعلت السارق كالوارث؟ وأحل بالتالي لنفسه الاختلاس والاعتداء على أموال الغير وممتلكاتهم من غير هوادة، أم هي العقوبات التي ربما لم تعد كافية لردع اللصوص، ولم تعد كفيلة لبسط الأمان على الأموال؟

هي الكعكة التي يحاول الجميع اقتناص الفرصة لقضم ما يصلهم منها، كل حسب قبضته والفرار بما يستطيع حمله، فكم من ملايين الدراهم هربت إلى دول العالم أجمع يعيش اللصوص ملوكا على أنقاض بيوت خربت ونفوس دمرت، وشركات أفلست، عبث البعض بمواردها وعاثوا فيها فسادا وحللوا لأنفسهم ما في خزينتها في غفلة من أصحابها الذين لم يفيقوا إلا على «خراب مالطا».

خراب نراه في ازدياد خاصة عندما تكون الاختلاسات بالملايين تضر بالاقتصاد الوطني الذي مهما كان قويا، وثابتا لا شك أنه سيتأثر مع عبء أكبر يلقي بظلاله أيضاً على جهود أمنية تبذلها السلطات لحفظ الحقوق وصون الممتلكات.

هذه الجهود التي مهما كانت كبيرة فلن تقوى على فعل الكثير مقابل إهمال يبديه البعض في حفظ أمواله، ويتركها سائبة بين يدي الآخرين فلا يقوون على مقاومة إغراءاته التي تفوق إرادة النفس البشرية فتصبح أمامها ضعيفة هزيلة لا تتورع عن ارتكاب أي كبيرة.

fadheela@albayan.ae