إذا كانت الفلسفة هي أم العلوم، فإن السياسة هي أم الهموم وأم الحلول أيضا.. فلا اقتصاد سليما إلا بسياسة اقتصادية سليمة، ولا مجتمع صحيحا إلا بسياسة اجتماعية صحيحة، ولا ثقافة غير مريضة إلا بسياسة ثقافية غير مريضة، والعكس صحيح أيضا.. فالاقتصاد المختل هو نتيجة لسياسة مختلة، ولا مجتمع مضطربا إلا انعكاسا لسياسة مرتبكة.
وإذا كانت السياسة تؤثر في كل شيء، لأن القرار السياسي يحكم أو يتحكم في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بل تقريبا في كل شيء، فهي أيضا تتأثر بكل شيء لأنها نتاج لمدى سلامة الثقافة والاقتصاد والتوازنات الاجتماعية. فالثقافة السليمة أساس السياسة السليمة، ولا قوة سياسية بلا قوة اقتصادية، ولا سياسة متوازنة بلا مجتمع متوازن، ولا مجتمع متوازنا بلا عدالة اقتصادية واجتماعية.
فالسياسة مصدر للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، إذا كانت منطلقة من محددات فكرية خاطئة أو متخلفة وتابعة لا مستقلة، أو ترتبط بالتزامات خارجية لا داخلية، أو لأقلية طبقية أو فئوية أو جهوية لا للأغلبية الشعبية، وتقلد تجارب غيرها دون مراعاة اختلاف ظروف مجتمعها عن ظروف غيره، أو متأثرة بفلسفات مناقضة لمبادئ ومصالح شعبها، حيث إن دورها الحقيقي في تصور سهل هو حل مشاكل الناس وتحقيق الحياة الحرة الكريمة للجماهير.
ومع ذلك فالسياسة وسيلة لا غاية، فهي الأداة المجتمعية للتفكير في وضع الحلول لسائر المشكلات والتحديات الداخلية والخارجية، وهي وسيلة المجتمع لوضع الخطط والبرامج القصيرة والطويلة المدى لتحقيق الطموحات الشعبية في حياة كريمة ومستقرة وآمنة لكل أسرة، بل لكل فرد. والناس لا يمكن أن تحيا قبل أن تتمكن من العيش، والقدرة على المعيشة دون جوع أو فقر أو خوف هو الحد الأدنى الذي تسعى البشرية إلى ضمانه، لكن الحياة الإنسانية التي تليق بإنسانية الإنسان هي ما يحقق للإنسان ليس فقط الإحساس بالأمن، ولكن بالأمان أيضا..
فالناس كي تستطيع العيش لن تأكل سياسة ولن تسكن فلسفة، ولن تعالج بالشعر أو بالخطب، ولكن السياسة هي المسؤولة عن توفير الطعام لكل فم والصحة والسكن لكل أسرة والتعليم والعمل لكل فرد، وذلك بتوفير الغذاء الرخيص والسكن الرخيص والعلاج الرخيص وفرص العمل الشريف المنتج، وهذا واجب السياسة باعتبارها علم إدارة الحكم الذي يحكم حركة المجتمع ويرسم أهدافه ويحل مشاكله ويحقق طموحه.
ومهمة الحكومات الأساسية والوحيدة هي تأمين الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، والتخطيط للتنمية الإنتاجية الشاملة لرفع مستوى المعيشة باستمرار، للانتقال بمحدودي الدخول إلى مستوى متوسطي الدخول وبمتوسطي الدخول إلى مستويات عالي الدخول، والانتقال بالمجتمع كله إلى مستوى الحياة الآمنة والحرة والكريمة، التي تتعدى في النهاية ما يعلن من أرقام عن زيادة في الدخل القومي أو في معدلات النمو أو سجلات الإنجازات المكتوبة، إلى واقع حقيقي معاش يلمسه الناس ويعيشونه. والفارق كبير بين أن نحيا أو أن نعيش!