عادت مسألة حسم مصير مدينة كركوك العراقية إلى واجهة الأحداث من جديد، لتهدد بتفجير أزمة كبيرة بين الأكراد والعرب والتركمان، وغيرهم من الجماعات العرقية التي تسكن المدينة.
وكشف تصويت البرلمان العراقي على قانون انتخابات المحافظات، الذي قاطعته الكتلة الكردية، واقره النواب، ليعود ويرفضه الرئيس جلال طالباني، مدى عمق الهوة التي لا تزال تفصل أبناء العراق عن رؤية موحدة لمستقبل البلاد.
ورغم أن العراق يعيش منذ العام 2003 في دوامة عنف متواصلة، إلا أن ما حدث في كركوك يكتسب خطورة كبرى، نظراً للتنوع العرقي والطائفي الكبير الذي تحتضنه المدينة، ما يشكل قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة.
ولعل أحداث أول من أمس التي راح ضحيتها 27 شخصا نتيجة هجوم انتحاري وسط تظاهرة للأكراد، ليس سوى مقدمة للانفجار الكبير. يبلغ عدد سكان المدينة حوالي مليون نسمة، هم خليط من التركمان والأكراد والعرب مع أقلية آشورية وكلدانية وأرمنية.
ولم تمنع التحذيرات التي صدرت عن عشرات المنظمات الدولية بشأن وضع المدينة الغنية بالنفط، من اتخاذ الأمور منحى تصعيدياً، ينبئ بالمزيد خلال الأيام القادمة، نتيجة إصرار الأكراد على ضم المدينة إلى إقليم كردستان الذي يتمتع باستقلال كبير عن الحكومة المركزية.
ولا يمكن النظر إلى قضية كركوك بشكل منفصل عن المطامح الكردية، التي تسعى منذ العام 1991 إلى بلورة كيان سياسي يتمتع بالحد الأقصى من الاستقلال عن الحكومة المركزية، وقد تحقق جزء كبير من ذلك، في أعقاب سقوط النظام العراقي السابق في 2003.
إلا أن لحظة الضعف، التي يعانيها العراق، لا تعني أن من مصلحة الأكراد، أو غيرهم، حسم مصير إحدى أكثر مدن بلاد الرافدين عراقة، والتي انصهرت فيها الجماعات العرقية والطوائف كافة على امتداد أكثر من خمسة آلاف عام.لا يمكن شطب التاريخ بقرار سياسي.
يفترض أن يكون أكراد العراق أكثر الناس دراية بهذه الحقيقة التاريخية، على اعتبار أنهم أكثر الجماعات العرقية التي عانت تغييبها، نتيجة عدم الاعتراف بهم حين وضعت خرائط المنطقة.
قد تكون اللحظة التاريخية اليوم مواتية لاستباحة أرض الرافدين من قبل أبنائه، قبل أعدائه، ولكن الحقيقة التاريخية يجب أن لا تغيب عن بال أحد. إن رهان أحد مكونات الشعب العراقي على مستقبل منفرد ومتفرد عن بقية المكونات الأخرى، هو رهان خاسر، بالنظر إلى حاجة كل العراقيين إلى التضامن والتوحد خلف شعار إعادة إعمار وبناء عراق جديد.
