تتعالى الأصوات من حين لآخر في العالم العربي حول موضوع حرية الصحافة، ويتغنى البعض بأن خصخصة وسائل الإعلام وانتشار الفضائيات العربية، قد جاءا بالجوهرة المفقودة وبالأمل المنشود. والبعض في المنابر الإعلامية وفي البرامج الحوارية يجزم قاطعا بأن الإعلام العربي، وبفضل تكنولوجيا الاتصال والثورة المعلوماتية والعولمة والمجتمع الرقمي، قد دخل عالم الإعلام الحر الذي يراقب ويستقصي ويكشف عن المحرمات والممنوعات والتجاوزات.

وهنا يجب أن نتساءل ونصارح أنفسنا، ومن باب المنطق والمقاربة المنهجية نطرح الأسئلة التالية: كيف تنظر السلطة في المجتمعات العربية لوسائل الإعلام؟ هل هذه الوسائل هي جزء من أدوات النظام للتحكم والسيطرة والتوجيه السياسي والأيديولوجي والمعنوي؟

أم أن وسائل الإعلام هي مؤسسات تعمل على التواصل والتحاور بين السلطة وجماهيرها، بصفة ديمقراطية وشفافة وواضحة خالية من أي تعتيم أو استغلال أو ابتزاز؟ هل المؤسسة الإعلامية هي أداة سلطة أم أداة للمجتمع بأسره وبمختلف الشرائح الاجتماعية التي تشكله؟ هل عملية التواصل بين السلطة والجماهير عملية رأسية أم أفقية؟

هل الممول هو المحدد الرئيسي لمخرجات وسائل الإعلام؟ هل أدت أو ستؤدي العولمة إلى »دمقرطة« الإعلام في العالم العربي؟ هل ستؤدي ثورة تكنولوجيا المعلومات والمجتمع الرقمي إلى التأثير في علاقة السلطة بوسائل الإعلام وفي طرق وآليات ومنهجية العمل الإعلامي في الوطن العربي؟ هل تتوفر مستلزمات وشروط الإعلام الحر في الوطن العربي؟ وهل هذا الإعلام قادر على أن يصبح واحدة من السلطات الفاعلة في المجتمع؟

الواقع مع الأسف الشديد غير ذلك تماما، وهذا يعود لعدة اعتبارات، من أهمها أن إشكالية العلاقة بين الصحافة والسلطة هي إشكالية قائمة في مختلف مجتمعات العالم وليست في الدول العربية فقط، وهي في واقع الأمر علاقة مد وجزر وعلاقة يسودها الشد والنزاع والصراع الأبدي. ويخطئ من يعتقد أن هذه العلاقة سليمة وصحية وتسودها الشفافية والوضوح في الدول الديمقراطية والمتقدمة. فالتجارب التاريخية أكدت أنه حتى في أعتق الديمقراطيات في العالم، نلاحظ التطفل ومحاولة الاستغلال والابتزاز من قبل السلطة لوسائل الإعلام.

الفرق الواضح بين المجتمعات المتقدمة أو الديمقراطية أو التي تتمتع بمجتمع مدني وقوى مضادة، والمجتمعات النامية أو غير الديمقراطية، هو وجود أطر وهياكل وثقافة لصحافة الاستقصاء، وللمؤسسة الإعلامية كسلطة رابعة في المجتمعات المتقدمة وانعدام هذه المستلزمات في الدول النامية.

فعند معالجة إشكالية العلاقة بين السلطة والصحافة، يجب أن نضع في أذهاننا أن من الخطأ المنهجي والاستراتيجي أن نعالج هذه الإشكالية بعيدا عن الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. فالنظام الإعلامي ما هو إلا انعكاس للنظام العام الذي يعمل فيه ويتفاعل معه، والنظام الإعلامي ما هو إلا جزء من النظام الكلي السائد في المجتمع.

فلا نستطيع أن نتكلم عن استقلال المؤسسة الإعلامية وعن حرية الصحافة، في غياب الفصل بين السلطات، وفي غياب الحريات الفردية، وفي غياب حقوق الإنسان، وفي غياب المجتمع المدني.. والقائمة قد تطول. فكيف نتصور نظاما إعلاميا حرا داخل نظام استبدادي سلطوي تعسفي؟!

إن الجمع بين المتناقضات في هذا الشأن غير ممكن على الإطلاق. هناك تناقض صارخ بين الليبرالية الاقتصادية التي تطبقها معظم الدول العربية، حيث تكون في بعض الأحيان أكثر ليبرالية من الدول الليبرالية نفسها، وبين واقع الإعلام الذي يكون بعيدا كل البعد عن مبدأ الحرية والليبرالية.

في الوطن العربي يجب أن نحتاط من المصطلحات والمسميات، فتجد على سبيل المثال نقابة للصحافيين، لكنها بدلا من أن تدافع عن المهنة والمهنيين نجدها تدافع عن السلطة، وبذلك تكون »ملكية أكثر من الملك«! وهناك أحزاب سياسية وجمعيات واتحادات، لكن معظمها بعيد عن أن يكون قوة مضادة في المجتمع، بل إنه على العكس يدور في فلك السلطة بطريقة أو بأخرى. وفي هذا الوضع يبقى الكلام عن حرية الصحافة حافلا بالمتناقضات.

من جهة أخرى نلاحظ أن هياكل السلطة هي التي تحدد مخرجات وسائل الإعلام في العالم العربي بطريقة منظمة ومنهجية، وبذلك تكون نشاطات السلطة بأجهزتها المختلفة هي المهيمنة والمسيطرة على الخطاب الإعلامي العربي، أما اتجاه هذا الخطاب فهو عمودي من القمة إلى القاعدة. وبذلك نجد الصحافة في العالم العربي لا تخرج عن النماذج الثلاثة التالية: إما أنها تعبوية، أو موالية، أو تعددية تحت مظلة السلطة. وأصبح القارئ العربي لا يفرق بين الصحيفة المملوكة من قبل السلطة والصحيفة الخاصة.

تفرز مخرجات وسائل الإعلام العربية أزمة ثقة في الشارع العربي تؤدي إلى انفصال الشعب عن السلطة أو الرأي العام عن صاحب القرار، وكنتيجة لهذه الأزمة تصبح المؤسسة الإعلامية في العالم العربي تغرد خارج السرب، وبدلا من المساهمة في تكوين الرأي العام نجدها تسهم في تغريبه.

وفي الكثير من الأحيان تغييبه. يسيطر كذلك الطابع الرسمي على الخطاب الإعلامي العربي، فنشرات الأخبار في التلفزيونات العربية تكاد تتشابه، وتركز في مجملها وبوقت مطول ومفصل على النشاطات الرسمية للرؤساء والوزراء ومختلف الإدارات الحكومية. كما يسيطر الأداء الروتيني على الخطاب الإعلامي العربي، حيث تغطية نفس المناسبات ونفس القطاعات وإهمال اهتمامات الجماهير وانشغالاتها ومشاكلها.

كما يتميز الإعلام العربي بأحادية الاتجاه، حيث إنه يتدفق من الأعلى إلى الأسفل، من السلطة إلى الجماهير، من دون مشاركة المستقبِل في عملية رجع الصدى أو المشاركة في العملية الإعلامية. والتدفق الأحادي يؤدي بطبيعة الحال إلى التكرار والروتين واعتماد وجهة نظر واحدة ورأي واحد وفلسفة واحدة، وهذا على حساب التعدد والاختلاف الموجود في المجتمع.

كما تتميز الصناعة الإعلامية في العالم العربي بضعف الاحترافية والمهنية، والنتيجة هي التركيز على الرسميات والشكليات، دون الارتقاء بالمهارات الفنية والإبداعية، بسبب الرقابة والحذف، والحذف الذاتي وهاجس تنفيذ الأوامر دون المناقشة أو إبداء الرأي. ففي غياب الحرية وسيطرة الروتين ينعدم الإبداع.

إن تحديات القرن الحادي والعشرين تحتم على الأنظمة العربية مراجعة علاقتها بالصحافة، وضرورة مراجعة رؤيتها ونظرتها للإعلام وعلاقتها بالمؤسسات الإعلامية، سواء كانت عامة أم خاصة. ونقطة البداية هنا تتمثل في ضرورة النظر إلى وسائل الإعلام وإلى الجهاز الإعلامي، نظرة إيجابية تخدم المجتمع ككل وليس السلطة لوحدها.

وهذا لا يتأتى بطبيعة الحال إلا بالنظر إلى المواطن العربي كفاعل ومشارك ومساهم ومرسل، وليس كمنفذ وتابع ومستقبل فقط. فالجمهور له الحق في التواصل والتفاعل مع وسائل الإعلام المختلفة. لقد ولى عهد صحافة البلاط وصحافة التلميع والترويج والتملق، ولم بعد لها مكان في زمن الإنترنت وثورة الاتصال والمجتمع الرقمي.

كلية الاتصال، جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae