رغم أن باراك أوباما قال إن جولته الخارجية التي أنهاها الأسبوع الماضي، كانت »للاستماع« وتقصي الحقائق وليست لإعلان المواقف، إلا أن المحطة الوحيدة التي التزم فيها بذلك كانت رام الله. ففي فلسطين وحدها اختار أوباما أن يلعب دور المستمع لا المتحدث، فاضطر أبو مازن للحديث طوال مدة اللقاء الذي جمعهما. ورفض المرشح الديمقراطي عقد أي مؤتمر صحافي في رام الله أو الإدلاء بأية تصريحات بعد لقائه مع الرئيس الفلسطيني ورئيس وزرائه، فكانت السلطة الفلسطينية هي المصدر الوحيد لأية معلومات عما دار في اللقاء.
لكن في كل محطة أخرى من محطات الجولة، أعلن المرشح الديمقراطي الأميركي لمنصب الرئاسة مواقف، وأدلى بتصريحات أكدت مرة أخرى وبما لا يدع مجالا للشك محدودية التغيير في السياسة الخارجية الأميركية حال توليه الحكم، ما لم تبذل جهود جبارة داخل أميركا لدفعه دفعا نحو التغيير.
وفي الواقع لم تكن هناك أية مفاجآت فيما قاله أوباما. فهي كلها مواقف تتسق مع رؤيته للعالم ودور الولايات المتحدة فيه. فالرجل لا يرفض الطابع الإمبراطوري لسياسة بلاده، ولم يصدر عنه ما يشير إلى أنه سيعيد النظر في الأسس الجوهرية التي تقوم عليها تلك السياسة.
صحيح أن أوباما عارض حرب العراق مبكرا، ولكنه عارضها لأنها »حرب غبية« على حد تعبيره، وليس لأنها احتلال لأراضي الغير، ولا لأنها انتهكت القانون الدولي. وقد قال أوباما نفسه في حينه أنه لا يعارض من حيث المبدأ أن تخوض بلاده حروبا ضد الإرهاب، وإنما هو ضد تلك الحرب تحديدا. لذلك لم تكن مفاجأة أن يبدأ أوباما جولته الخارجية بأفغانستان، ويتعهد صراحة بزيادة عدد القوات الأميركية هناك حال توليه الرئاسة.
ولا يرى أوباما التناقض الصارخ بين موقفه من العراق وموقفه من أفغانستان. ففي الوقت الذي رفض فيه زيادة عدد القوات الأميركية في العراق، فإنه يريد زيادتها في أفغانستان. وهو بالفعل موقف لا تناقض فيه على الإطلاق، إذا كانت الإمبراطورية الأميركية هي العدسة التي ينظر من خلالها للعالم. فالإمبراطورية تستخدم القوة العسكرية متى شاءت وكيفما شاءت، وهي لا تحفل كثيرا بما تخلفه تلك القوة الغاشمة وراءها من دمار وضحايا مدنيين.
وهو موقف لا تناقض فيه أيضا، إذا ما تم اعتماد رؤية إدارة بوش بشأن ما يسمى »الحرب على الإرهاب« التي تكون القوة العسكرية أهم أدواتها. والحرب على الإرهاب كانت محور خطاب أوباما في برلين، وهي الحرب التي انطلق منها لدعوة الأوروبيين إلى رأب الصدع مع أميركا من أجل خوضها، وحثهم بمقتضاها على زيادة أعداد قواتهم في أفغانستان.
ولا يبدو أن أوباما، الذي يرفض الورطة الأميركية في العراق لأنها كلفت أميركا ثمنا باهظا، يدرك أن مزيدا من القوات في أفغانستان من شأنه أن يمثل ورطة أميركية كبرى. فأفغانستان التي تعرضت للإفقار والتدمير، هي نفسها البلد العصي على الاحتلال. وقوات التحالف لا تسيطر اليوم سوى على 30% فقط من الأراضي الأفغانية، بعد سبع سنوات من وجودها هناك.
ولأن الطابع الإمبراطوري هو الحاكم، فإن أوباما لم يذكر في لقاءاته في أفغانستان كلمة واحدة بشأن أي دور أميركي غير عسكري هناك. فهو لم يتحدث عن الفقر الذي اعتبره تقرير »أوكسفام« الأخير العقبة الرئيسية التي تعرقل حدوث أي تحسن حقيقي في الأوضاع في أفغانستان. ولم يذكر الرجل أي شيء يشير إلى اهتمامه بالوفاء بمسؤوليات بلاده كدولة احتلال.
أما في زيارته للعراق، فقد فرض فريق أوباما سياجا حول المرشح الديمقراطي يفصله حتى عن الصحافيين الذين رافقوه، وجعل البنتاجون هو المسؤول بالكامل عن الرحلة، بما في ذلك تنظيم اللقاءات، بل وانتقاء الصور والأخبار التي تغطي الزيارة والتصريحات التي تنشر على لسان أوباما. ودلالة تلك الواقعة بالغة الأهمية، إذ لم يجد المرشح الديمقراطي غضاضة في تحكم المؤسسة العسكرية في ما يصدر عنه.
أما في ما يتعلق بزيارته لإسرائيل، فلم يكن فيها هي الأخرى أية مفاجآت. فما قاله أوباما عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، كان هو نفسه ما قاله أثناء حرب لبنان في 2006 التي أيد أثناءها إسرائيل صراحة. وهي ليست المرة الأولى التي يقول فيها إن الخيار العسكري ليس مستبعدا في حالة إيران.
ولا يجوز في الواقع تفسير مواقف أوباما التي عبر عنها أثناء زيارته لإسرائيل، من زاوية سعي المرشح الديمقراطي فقط لأصوات اليهود في أميركا، فهي أيضا متسقة تمام الاتساق مع الطابع الإمبراطوري الذي لا يرفضه. فلا يمكن أن تكون إسرائيل »معجزة« على حد تعبيره، إلا بالمنطق الإمبراطوري. وهي بالمناسبة كلها مواقف طبيعية للغاية، إذا ما كان قد اختار أن يكون مستشاره الأول لشؤون الشرق الأوسط هو دنيس روس!
هل معنى كل ذلك أنه لا فرق بين السياسة الأميركية الحالية وبين السياسة التي سوف ينتهجها أوباما إذا ما تولى الرئاسة؟ بالطبع يوجد فارق، ولكنه لا يزيد عن الفارق بين الديمقراطيين والجمهوريين عموما. إذ ليس صحيحا أنه لم يكن هناك فارق بين إدارة كلينتون وإدارة بوش، أو أنه لا فارق بين الديمقراطيين والجمهوريين بشكل عام. ولكنه فارق يتعلق بكيفية إدارة الإمبراطورية الأميركية وطبيعة الأدوات الواجب استخدامها، ولا يتعلق بإعادة النظر في ذلك الطابع الإمبراطوري.
ويوجد فعلا قلق بالغ في أوساط قوى كثيرة مؤيدة لأوباما في أميركا، صارت تدرك أن أوباما بمواقفه تلك سوف يكون رئيساً »ديمقراطياً« يسعى إلى مجرد البقاء رئيسا في أميركا المحافظة، بما يعنيه ذلك من مواقف تنحو أكثر نحو اليمين في الشؤون الداخلية، وتزايد على المحافظين إذا لزم الأمر، في ما يتعلق بالطابع الإمبراطوري للسياسة الخارجية. وتدرك هذه القوى التقدمية أن الطابع الإمبراطوري لا يضر فقط بالمصالح الأميركية الحقيقية حول العالم، وإنما يقوض الديمقراطية الأميركية ذاتها.
ومن هنا فما لم تستطع تلك القوى تنظيم نفسها من الآن للضغط على أوباما حال فوزه، فلا أمل في تغيير جوهري في السياسة الداخلية ولا الخارجية لأميركا في المدى المنظور.
كاتبة مصرية
