عقب انتهاء مناورات »سي بريز ـ 2008« التي نفذت في ميادين التدريب بمقاطعة أوديسا وشبه جزيرة القرم وساحل البحر الأسود، بالتعاون بين القوات الأوكرانية وقوات من حلف الناتو، تفجرت أزمة سياسية جديدة بين موسكو وكييف، حيث احتجزت السلطات الأوكرانية عضو البرلمان الروسي قسطنطين زاتولين في مطار سيمفيروبول ولم تسمح له بدخول الأراضي الأوكرانية. وفي معرض الرد على هذا الإجراء، استدعت وزارة الخارجية الروسية سفير أوكرانيا في روسيا وسلمته مذكرة احتجاج، اتهمت فيها كييف بعدم الالتزام بالاتفاقات.
واعتبر العديد من المراقبين أن عملية تصعيد التوتر في العلاقات بين البلدين، تأتى بشكل متعمد من جانب الحكومة الأوكرانية في ظل تطوير تعاونها العسكري مع حلف شمال الأطلسي، وأن احتجاز البرلماني الروسي وترحيله إلى موسكو، ليس أكثر من محاولة لاستفزاز البرلمان الروسي لتجد كييف مبررا في تصرفاته، يمكنها من التخلص من الاتفاقية الخاصة بتواجد أسطول البحر الأسود الروسي في أراضي أوكرانيا.
وكانت وزارة الخارجية الروسية قد أصدرت بيانا أعربت فيه عن قلقها من طابع المناورات الأميركية الأوكرانية الجارية على ساحل البحر الأسود، والتي يجري تقديمها في سياق معادٍ لروسيا، وأعربت موسكو عن استيائها من السماح لقوات أجنبية بالتواجد في البحر الأسود، وأشارت إلى أن دول حوض البحر الأسود قادرة على حل مسائل توفير الأمن والاستقرار في هذا البحر دون تدخل من الخارج.
وقد قررت الأوساط العسكرية الروسية اختصار الطريق الملتوي لضرب العلاقات بين البلدين، بالكشف عن سبب الخلاف ودوافع كييف في مساعيها لتوتير الصلات، حيث أعلن القائد العام للأسطول البحري الحربي الروسي الأدميرال فلاديمير فيسوتسكي أن روسيا تعتزم الإبقاء على أسطول البحر الأسود الروسي في سيفاستوبول بعد عام 2017، وأكد على أن بقاء الأسطول في سيفاستوبول يتمثل في التوصل إلى اتفاق بهذا الشأن مع أوكرانيا. وكانت وزارة الخارجية الروسية قد كشفت عن عرض تقدمت به إلى أوكرانيا بزيادة إيجار القاعدة، والذي قوبل بالرفض من جانب حكومة كييف.
وكان الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو قد أصدر في مايو 2008 مرسوما يقضي بإعداد مسودة قانون حول إنهاء سريان الاتفاقيات الروسية الأوكرانية الخاصة بتواجد أسطول البحر الأسود الروسي في أراضي أوكرانيا، اعتبارا من عام 2017. واعتبرت وزارة الخارجية الروسية في ردها على هذا الإجراء أن مرسوم يوشينكو لن يساعد على تعزيز الثقة بين موسكو وكييف، وقد ينعكس سلبيا على المفاوضات بشأن الأسطول.
وتوصل آنذاك الرئيسان الروسي والأوكراني إلى اتفاق على أن الخطوات أحادية الجانب التي تتعارض مع الاتفاقات الموقعة بين روسيا وأوكرانيا، لا تعزز استقرار العلاقات بين البلدين.
وبالرغم من أن تواجد الأسطول الروسي في ميناء سيفاستوبول يعود بعوائد مادية على الحكومة الأوكرانية، ويوفر أكثر من 30 ألف فرصة عمل لسكان المنطقة، ولا يشكل أي تهديد لسكان هذه المنطقة الذين اعتادوا على وجوده منذ عشرات السنين، إلا أن بقاء الأسطول يعيق انضمام أوكرانيا للناتو، ويؤدي لفشل القيادة السياسية في تحقيق هدفها الأول، ويفشل مساعي الغرب في ضرب حصار على روسيا. ولهذا السبب أصبح إفشال انضمام أوكرانيا لحلف الناتو من أولويات السياسة الروسية في المنطقة، خاصة بعد أن قررت الولايات المتحدة نشر درعها الصاروخية في شرق أوروبا.
ويبدو واضحا أن حل الخلاف بين روسيا وأوكرانيا سيؤثر على مساعي يوشينكو للانضمام لحلف شمال الأطلسي، والاندماج مع الأسرة الأوروبية، بالرغم من عدم توافر مقومات ومقدمات لتحقيق ذلك، إلا أن حكومة البرتقاليين تعتقد أن إزاحة روسيا من أوكرانيا ربما تساعد على تحقيق ذلك، وهو ما يبدو عبثا وتلاعبا بمصير البلاد التي ارتبطت مصالحها بالتعاون من جارتها روسيا.
كاتب ومحلل سياسي أوكراني