إن عودة التفجيرات الانتحارية - كالتي شهدتها مدينتا بغداد وكركوك أمس والتي راح ضحيتها أكثر من 56 قتيلا و200 مصاب - تشكل مؤشراً خطيراً يؤكد علي أن الأوضاع الأمنية لاتزال هشة وأن الخلافات السياسية خاصة فيما يتعلق بقضية انتخابات المحافظات إذا لم يتم تدراكها بتوافق جماعي ستقود إلي كارثة حقيقية وتعود بالعراق إلي المربع الأول الذي تجاوزه خلال الفترة الماضية.

من المؤكد ان عودة التفجيرات واستخدام النساء لتنفيذ عمليات انتحارية تدل علي أن العمل الإرهابي بالعراق سلك مسلكاً جديداً يستدعي الجهود المشتركة لمنع إنزلاق العراق مجددا في العنف وخاصة ان هذه العمليات تزامنت مع موسم الزيارات الشيعية السنوية للأماكن المقدسة وانها هدفت لإرسال رسائل واضحة لكل العراقيين لأخذ الحذر.

لقد عاني العراق علي مدي السنوات الماضية من تدهور أمني فشلت أمريكا وحلفاؤها والحكومة العراقيه في مواجهته وبدأ أخيراً يتجه نحو الاستقرار الأمني، إلا ان الخلافات السياسية كان لها تأثيرها الواضح في عدم الاستقرار باعتبار ان بعض الجهات التي لا تريد للعراقيين أي استقرار سياسي أو أمني استغلت هذه الخلافات لإزكاء المزيد من الانشقاق، وهذا ما تؤكده العملية الانتحارية التي استهدفت التظاهرة التي نظمها بعض سكان كركوك أمس وأدت لمقتل أكثر من 25 شخصاً وإصابة أكثر من 50 آخرين.

إن العراقيين حكومة وطوائف وقوميات مطالبون بحل قضية الخلاف حول انتخابات المحافظات وفق رؤي مشتركة تحافظ علي الوحدة الوطنية بعيداً عن المحاصصة الطائفية والعرقية، لأن استمرار التجاذب حول هذه المسألة سيقود إلي تطور سياسي والذي بدوره سيقود إلي انفلات أمني يستغله الإرهابيون في ضرب النسيج الاجتماعي العراقي خاصة في كركوك.

إن علي العراقيين خاصة الأكراد ان يدركوا ان قضية انتخابات المحافظات أكبر من قضية محلية وان حلها يجب ان يتم في اطار قومي بعيدا عن النظرة الضيقة وان ما حدث أمس من تفجيرات في كركوك وبغداد لمؤشر واضح علي استغلال الجماعات الإرهابية الخلافات السياسية لإعادة العراق إلي المربع الأول - مربع الحرب - الذي سيغرق الجميع في دوامة جديدة تجاوزها العراقيون ولايجب ان يسمحوا لها بالعودة من جديد.

مما لاشك فيه ان التوافق الوطني بات أمراً حتمياً لحل أزمات العراق ومن بينها أزمة قانون انتخابات المحافظات والذي رفضه الأكراد وبعض الشيعة لأن من شأن هذه الخلافات إفساد أجواء التوافق الوطني ونسف المباديء التي بنيت عليها العملية السياسية بالعراق وخاصة ان البلاد تتجه نحو الانتخابات في أكتوبر المقبل وهي مواجهة بخلافات سياسية وانفلات أمني يجعلان من المستحيل إجراءها في مثل هذه الظروف.