إضرابات العمالة الآسيوية في بعض دول الخليج، يجب ألا ينظر إليها على أنها تعبير ساخط على إجراءات متعسفة تنتهي بحل هذه المشكلات، إذ أن معظم تلك الدول المتدنية السكان الأصليين، تحوّل شعبها إلى أقلية وسط بحر من جنسيات مختلفة، وحتى الفئات التي تحمل جنسيتها، ودون تشكيك بأحد فإن جذورها تظل تمتد إلى الوطن الأم، ولعل ما جرى ليس أمراً يمكن تجاوزه تحت ضغط الحاجة فقط إذا ما أدركنا أن دول تلك الجنسيات سوف تتدخل سواء بالشكوى للمنظمات العالمية وحقوق الإنسان، أو القيام بدور تحريضي قد يصل إلى التدخل وفق أساليب كل دولة..

وجود عمالة فاقدة للتأهيل والحقوق والوعي وتدني مستوى ثقافتها، أمام ترف المواطن الخليجي الذي يرى فيها مجاميع لا تستحق الاهتمام، والبعض يصل بتصرفاته إلى حدود عنصرية سوف تجد نفسها أمام رهان خاسر، لأن فاقد كل شيء قد يتحوّل من أداة نافعة إلى أدوات تفجير، وعلينا أن نفهم كيف تحوّل بعضها إلى مزيفي نقود وصانعي خمور أو ترويج مخدرات، وتزييف للأختام والعملات وإيواء العاملات الهاربات في دور دعارة، وامتهان كل شيء محرم مخالف للأعراف والقوانين، وهذا السلوك يمكن أن يتطور إلى حالات تنظيم عصابات خطيرة، تجد فيها المنظمات الإرهابية وسيلة لخلق الاضطرابات، خاصة وأنها قادرة على استخدام لغاتها ووسائلها، وحتى الرموز التي تحملها إذا ما وجدت في هذا الاتجاه ما يخدم مصالحها ويدفع الظلم عنها..

وفي بعض الدول الخليجية حتى أجهزة الأمن والجيش، إما مجنّسة أو موظفة لهذه الأغراض بمعنى أن تأمين سلامة أي بلد يرتهن لحالة الظرف الاقتصادي وحده، لكن أن تكون الدخول متدنية والتعامل سيئاً والقوانين لا تحمي هذه الفئات، فالصورة قد تنقلب في أي لحظة من الحالة الساكنة إلى الاضطراب، وربما العنف، ولعل الأحداث التي جرت في الإمارات ثم الكويت قد تحدث في كل دول مجلس التعاون الخليجي ما لم ننظر، وبجدية متناهية، إلى خطورة هذه العمالة والدور الذي يمكن أن تلعبه في حالة أي خلاف معها..

وحتى الدول التي تعتمد على حماية خارجية، لا تستطيع قوات تلك الدول أن تقوم بدور الشرطي لوضع لا يشكل اعتداءً من دولة ما بجيوش عسكرية، ولعل ناقوس الخطر بدأ يدق وسبق أن ركزت دراسات مختلفة على خطورة ما سيكون من هذه العمالة الوافدة إلا أن الحاجة وبطء الإجراءات والتعامل بسلبية مع كل ما هو أمني، خلقت مؤشرات جديدة جاءت كمقدمات لما قد يكون الأسوأ في المستقبل القريب..

نعم هناك حاجة للأيدي العاملة الأجنبية وهناك نمو في ورشة العمل الكبيرة في كل دول المجلس، لكن يقابله ضعف في هياكل الدول وخاصة أجهزتها الأمنية بمعنى أن النسبة المتدنية في أعداد العاملين بتلك الأجهزة لا توازي النمو في تزايد أعداد الوافدين من الجنسين، وتبقى العملية (الديموغرافية) تحدياً خطيراً إذا ما تحول المواطنون الأصليون إلى أقلية صغيرة، وهو ما يجري فعلياً في معظم تلك الدول..

وإذا كنا لا نعرف ما ستكون عليه السنوات القادمة، وكيف ستتحقق التنمية في بلدان ليس لديها نظام أمني متطور، فالاحتمالات تجعل الأسئلة أكثر إحراجاً، والأمثلة التي جرت هي مؤشرات ولكنها مقدمات لحالات أصعب وأكثر خطورة ما لم تؤخذ كل الاحتياطات وبجدية متناهية..