جولة المرشح الديمقراطي للرئاسة الأميركية، باراك أوباما، الأخيرة إلى الخارج، وإن ساهمت في «عقلنة» شعاراته الانتخابية على أساس أن هناك فرقا بين الدعوات الانتخابية والسياسات الواقعية، إلا أنها أثبتت أنه لا يجب على العرب أن يبنوا سياستهم على أساس تغيير مرتقب في السياسة الأميركية، فهناك مؤسسة هي التي تعهد صياغة السياسات بغض النظر عن خليفة جورج بوش.
إن أحد التغييرات التي أراد أوباما إحداثها في السياسة الخارجية كرئيس للولايات المتحدة، هو إرسال إشارة واضحة للعالم بأن أميركا تعتزم مواصلة دورها القيادي، غير أن أسلوب القيادة الذي ستعتمده سيكون أقل أحادية، حيث سيكمن دورها في إقامة شراكات حول العالم تكون ذات مصلحة مشتركة للأطراف المعنية، لكن تراجعه عن فكرة الانسحاب من العراق ومباشرة حوار مع إيران و«عقلنة» تصريحاته حول القدس، يعني في الأساس أنه أحس أن حلم «الرئاسة» اقترب وأنه لا مجال للمزايدة في هذه الملفات، ما دام أن التغيير الذي ينادي به ليس في يده.
ويقول مراقبون إن أوباما هيأ شعورا عند غالبية شعوب العالم بأن فوزه يعني بداية جديدة لعلاقات الولايات المتحدة مع العالم، ونهاية حقبة استعراض القوة العسكرية الأميركية التي عمل بها بوش لتحقيق أهداف الصقور في واشنطن، ومن أهمها غزو العراق في مارس عام 2003، لكن ذلك يستوجب عودة الولايات المتحدة إلى السياسات التاريخية التي قامت على السياسة الواقعية طويلة الأمد، وعلى الإقناع وبناء إجماع عالمي قبل الإقدام على استخدام القوة.
إن الهدف الأشمل للاستراتيجية الأميركية الشاملة لتصحيح الأخطاء التي ارتكبت في السنوات الأخيرة، يجب أن يكون في تهدئة الشرق الأوسط، بدلا من زيادة التوتر والاضطراب فيه. إن لحظة أحادية القطب التي سوقها المتعصبون من أعضاء إدارة الرئيس بوش بعد انهيار الاتحاد السوفييتي قد تبددت، لكي يطلقوا بدلا منها سياسة مبنية على الاستخدام المنفرد للقوة والتهديدات العسكرية وأعمال الاحتلال المتخفية بأقنعة الديمقراطية. كل ذلك قد زاد على نحو عبثي من حدة التوتر، وغذى مشاعر الاستياء المعادية للاستعمار، وولد مشاعر تعصب وتطرف ديني.
صحيح أن السياسة الخارجية الأميركية تحكمها مؤسسات وليس فرد بعينه، وصحيح أن اللوبي الصهيوني له دور كبير في توجيه هذه السياسة ورسمها، إلا أن الإدارة الأميركية المرتقبة في نوفمبر، تستطيع اتخاذ الكثير من القرارات الشجاعة. ففرص استعادة الولايات المتحدة لمكانتها غير ممكنة دون سعي أميركي فعّال لبناء عالم أفضل، أكثر سلاما وأكثر تفاهما. وعلى العرب ألا ينتظروا من الرئيس الأميركي القادم أي جديد، بل الجديد المطلوب هو توحيد سياستهم وضمان إشراكهم على أساس المصالح المشتركة، ودفع الولايات المتحدة لاعتماد أسلوب قيادة أقل أحادية.
