أما وقد وصلت الأمور إلى خواتيمها السعيدة في ما يخص ملف الأسرى والمعتقلين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، وانهالت علينا تباشير الأمل بإمكانية انطلاق عجلة الوئام الوطني من خلال المؤشرات الإيجابية التي طغت في إطارها العام على بعض السلبيات التي لا تزال تمزق جسد الوطن، فإن الملفات العالقة على الصعيد الإقليمي، ولا سيما تلك المرتبطة بالعلاقات اللبنانية ـــ السورية، تستدعي من الجميع وقفة مسؤولة من أجل وضع الأمور في نصابها الصحيح.
إن الواجب الأخلاقي والوطني والعروبي يقتضي منا أن نكون صريحين في تعاطينا مع هذا الموضوع الحساس، والصراحة تنطلق في جميع الأحوال من مبدأ الحرص على كلا الطرفين لا على طرف واحد، لأنهما متضرران معا من واقع الحال المزري الذي وصلت إليه الأمور نتيجة الخلل القائم منذ أعوام طويلة.
ولأن ما جرى ويجري لم يساهم في تقوية طرف على الطرف الآخر، بل خلق واقعا سلبيا منع عجلة التطور من الانطلاق في أكثر من اتجاه، فإن المطلوب بقوة في الوقت الحاضر هو التعامل مع كل الملفات العالقة بمسؤولية كبيرة وقلب وعقل منفتحين، لأن أية نتيجة إيجابية قد تنبلج عنها هذه الحركة ستكون برغم بساطتها أفضل بكثير من الحالة السلبية السائدة.
انطلاقا مما سبق تبرز في موضوع العلاقات الثنائية سلسلة من القضايا الحساسة التي يتوجب على القيادة السورية تحديدا أن تتبنى فيها مواقف تاريخية تتّسم بالجرأة والتحدي، وهي حاجة ملحة في الوقت الحاضر لكي تتمكن هذه القيادة من إقناع اللبنانيين والسوريين، قبل أن تقنع المجتمع الدولي، بمدى حرصها على ضرورة دفع الأمور إلى الأمام.
ولا شك أن المواطنين اللبنانيين والسوريين سيسعدون كثيرا لرسوخ علاقات نقية خالية من أية شوائب، لاقتناعهم الصائب بأن ذلك سينعكس عليهم رخاء واستقرارا وازدهارا، وسيضع البلدين مجددا ضمن مصاف الدول التي تفخر بوجود علاقات حسن الجوار في ما بينهما، مثلما هو الحال في كثير من مناطق العالم الأخرى.
إذا، فالملفات المطروحة واضحة للجميع ولا حاجة لاستخدام منخل مثقوب للاختباء من نور الشمس الوهاج كما يحاول البعض. فهي تتمثل بالدرجة الرئيسية في تصحيح العلاقات بين البلدين من خلال تبادل التمثيل الدبلوماسي كما هو الحال بين كافة الدول الشقيقة، أملا بأن تؤدي هذه الخطوة لتعزيز الروابط على أكثر من صعيد، في إطار ما يوصف بالعلاقات الأمينة بين دولتين تتمتعان بالسيادة الحقيقية، وتطويرها لاحقا بما يخدم مصالح وطموحات الشعبين الشقيقين اللذين يفخران بانتمائهما معا للتاريخ المشترك والمعاناة الصادقة التي جمعتهما في تجارب صعبة كثيرة.
إن تبادل التمثيل الدبلوماسي بشكل صحيح وصادق، سيشكّل بكل تأكيد علامة فارقة في تاريخ العلاقات بين البلدين، وسيساهم في تذليل نسبة كبيرة من المخاوف التي يستخدمها البعض في لبنان كفزّاعة للتخويف من سوريا، كما سيُشعر اللبنانيين بطمأنينة سيادية غابت عنهم لأعوام طويلة خلت، بسبب ما يصطلح البعض على وصفه بالتجاوزات والشوائب الكثيرة التي مارسها بعض الأفراد السوريين في لبنان، المنسجمين حسب رأيي مع كمّ مماثل من الشخصيات السياسية اللبنانية التي تمادت بدورها في الاستفادة من هذه الشوائب.
الملف الثاني الحساس الذي يجب إيلاؤه أهمية قصوى مماثلة، هو بكل تأكيد ملف المفقودين في سوريا أو في سجونها لا فرق، حيث إن المعاناة الإنسانية التي يجسّدها هذا الملف لا تزال ماثلة بكل تفاصيلها وآلامها في المجتمع اللبناني، كما في تفاصيل العمل الذي تقوم به المؤسسات الإنسانية الدولية لكشف مصير الأسرى والمفقودين في كافة أرجاء المعمورة.
وإذا لم يتم إيجاد حل عادل لهذه المعاناة، فإنها ستبقى موضوعا للتجاذب السياسي بين البلدين، وكذلك سببا منطقيا تعتمد عليه بعض القوى اللبنانية لتأكيد خياراتها المعادية لسوريا، وستشكل بالتالي مادة للشحن العقائدي المعادي الذي قد يكون البلدان في الوقت الحاضر بأمس الحاجة لإنهائه بدلا من تأجيجه.
لقد فرح كثيرون بلا شك لانتهاء ملف السجناء اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، حيث إن هذا الملف طالما أعتبر ولا يزال، أحد مكامن الألم الموجع في جسد الأمّة العربية. لكن بعضهم سيشعر عن حق بغصّة أكثر إيلاما لاستمرار غياب مئات اللبنانيين ممّن اختلفوا ذات يوم مع التوجه السوري في لبنان، لدرجة استدعت قمعهم أو اعتقالهم أو اعتبارهم من ضمن لائحة المفقودين.. فالضربة التي تأتي ممّن يفترض أن يكون شقيقا، تكون بالتأكيد أكثر إيلاما من الضربة التي يوجّهها العدو.
وأعتقد أن التوجه إلى سوريا في هذا الوقت بالتحديد لتوضيح هذا الملف أو قسم منه على الأقل، قد يكون حاجة وطنية سورية قبل أن يكون حاجة لبنانية، انطلاقا من الحرص الذي تبديه قيادة هذا البلد لتأكيد خياراتها الاستراتيجية والدولية، وكذلك لكي لا تكون مثقلة بهموم من هذا القبيل عندما تبدأ بخوض معركة السلام الشامل والعادل الذي طالما نادت به ولا تزال، لأن الأطراف الأخرى ستستخدم هذه الملفات لإضعاف موقع سوريا في الصورة التفاوضية الشاملة.
وأخيرا، يبرز أمامنا ملف لا يقل حساسية عمّا سبق سرده، بل قد يكون الأهم في ما يتعلق بتصحيح مسار العلاقات بين البلدين. إنه ملف المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري ورفاقه، والذي يشكّل التزام القيادة السورية بتفاصيله تحديا كبيرا وأملا بتحقيق العدالة لسوريا ولبنان معا.
إن الأمل كان ولا يزال بأن تتعامل سوريا مع هذا الملف انطلاقا من براءتها من جميع الافتراضات التي يحاول البعض تكريسها حول تورطها في عمليات الاغتيال. وإذا كانت القيادة السورية مرتاحة البال من هذه المسألة مثلما يصرّح أركانها بين وقت وآخر، فلا أرى سببا لعدم اقتراب الأمور من خواتيمها المنشودة.
كاتب لبناني
