يهدف مشروع الشراكة المتوسطية إلى تجميع أكبر عدد ممكن من الدول والأنظمة السياسية الشرق أوسطية، شكلياً تحت لواء الإدارة الأوروبية، وعملياً تتبع للإدارتين الأميركية والإسرائيلية. تلك محاولة جديدة لعودة الاستعمار إلى المنطقة بصورة تختلف قليلاً عن الاستعمار التقليدي القديم والجديد. لا أحد يتصور أن دول الاتحاد الأوروبي المتوسطية تلتهب في المشاعر والأحاسيس تجاه حل قضايا الدول المتوسطية النامية، وبصورة خاصة تلك التي تخص الدول والمجتمعات العربية والإسلامية.

منهجية الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي الموالية للإدارة الأميركية المحافظة، تطرح الكثير من التساؤلات عن توقيت مثل هذه الخطوة الفرنسية أو الأوروبية؟! في الوقت نفسه لا تثير نفس التساؤلات(!) حول تهافت بعض دول جنوب المتوسط على الانضواء تحت لواء الشراكة المتوسطية، من قبل بعض الأنظمة العربية.

أمن إسرائيل هو أحد المحركات والحوافز الرئيسية في التحركات الأوروبية الجديدة بقيادة الرئيس ساركوزي ذي الهوى والهوية اليهودية، والسياسة المؤيدة لإسرائيل بشكل مكشوف لا غموض فيه. تهدف تلك الشراكة إلى زيادة سيادة إسرائيل على الواقع المفروض في الشرق الأوسط، هذه المرة بطريقة سياسية اقتصادية ثقافية، يرتاح لها ذوو المعضلات المزمنة والذاكرات الضعيفة من العرب.

الأنظمة العربية المتهافتة على الانضواء تحت لواء الشراكة المتوسطية، شعوبها بحاجة إلى رغيف الخبز وقدح الماء النقي للشرب، وستحصل عليها مقابل تنازلات ضخمة في الهوية والثقافة والقيم والمبادئ.

التنازلات تذهب في معظمها لصالح الكيان الإسرائيلي. في المقابل فالقضية الفلسطينية مثلاً ستظل تراوح مكانها، لا بل وستزداد في التأزّم بسبب استمرار إسرائيل في مخططاتها الاستعمارية الاستيطانية والعنصرية الهمجية في المنطقة. لا توجد خطوة واحدة حقيقية في حسبان قيادات الشراكة المتوسطية، تدعو إلى الشروع في إيجاد تعامل واقعي مع أهوال قضية الشرق الأوسط المتراكمة منذ عقود ودون هوادة.

في محور آخر لا يقل أهمية بل استهدافاً، ألا وهو محاولة الإدارة الأميركية الاستفادة من مشروع مسرحي كهذا، عن طريق تحويل الدول المشاركة فيه إلى أعداء مناوئين علنيين للدولة الإيرانية.

ذلك بهدف تجميع أكبر قدر ممكن من الضغط السياسي الدولي والإقليمي المحيط بإيران، لتقديم تنازلات حاسمة بل مذلة بشأن مشروعها النووي ذي الطابع السلمي. التحالف الإيراني ـ السوري ـ اللبناني الممانع المقاوم هو المستهدف. تهدف الخطوات الأميركية ـ الأوروبية إلى استمالة سوريا كلياً باتجاه الطرف المناهض لإيران، عن طريق وعود تبدو حقيقية بشأن أخذ دور استراتيجي فعال لها في حل قضايا المنطقة.

هذا إلى جانب وعود »بالونية« لسوريا بتحسين أوضاعها الاقتصادية في انتقالها إلى اقتصاد السوق الحر! وضعت الشراكة المتوسطية نفسها في مواجهة مباشرة منذ البداية مع إيران والشعوب والأنظمة السياسية المتحالفة معها، وبشكل عارم. ذلك ما يضمن العامل الأول والمهم في فشل تلك الشراكة الهشّة أصلاً، بين شمال البحر المتوسط وجنوبه وشرقه.

بالتزامن مع مشروع الشراكة المتوسطية »المشكوك فيه«، تم الإيعاز إلى مدعي عام ما تسمى بمحكمة الجنايات الدولية (القاضي الأرجنتيني الأصل لويس أوكامبو) بتلفيق تهمة جنائية للرئيس السوداني عمر البشير. يحدث ذلك استغلالاً لغياب ردة فعل قوية مناسبة من العالمين العربي والإسلامي، بعدما فشل الأخيران سابقاً في التعامل مع الرسوم المسيئة للدين الإسلامي في الصحافة الغربية، على سبيل المثال لا الحصر. ذلك ما يضع الدول العربية الساعية إلى الانضواء تحت لواء تلك الشراكة المتوسطية، على المحك السياسي القاسي لأهدافها ونواياها بشكل أكثر دراميةً.

الشعوب العربية والإسلامية تقف ضد مثل هذه القرارات والتحركات التي أقل ما يقال عنها أنها تتبع معايير سياسية وقانونية مزدوجة ولا مجال للمصداقية فيها. السودان هو الهدف الحالي الحثيث للسياسة الغربية بعد اكتشاف النفط بكميات تجارية، خاصةً في الخاصرة الغربية له. في ذلك تواجه خطة الشراكة المتوسطية عقبة كأداء أخرى.

المقاوَمات الفلسطينية واللبنانية والعراقية ضد الاحتلال الإسرائيلي والأميركي، لها حظ معتبر من خطوات سير الشراكة المتوسطية. الحل المقترَح لها هو القضاء عليها عسكرياً وتحويلها إلى أحزاب سياسية واجتماعية، تعمل على هامش عمل الأنظمة الموالية للغرب المنشأة قديماً وحديثاً.

وبالذات الغرب الأميركي وإسرائيل. وضعت تلك الشراكة المتوسطية نفسها في مواجهة سياسية وحتى عسكرية مع بحر من العرب والمسلمين الذين ينظرون إلى تلك المقاوَمات بقدسية غير عادية. القضايا الفلسطينية واللبنانية والعراقية والسودانية وغيرها، هي جل ما يؤرق الشارع العربي والإسلامي الآن عبر العالم.

من الملفت للانتباه أن تلك القضايا باتت في حكم المهمَل تقريباً من حسابات معظم الأنظمة العربية ووسائل إعلامها المختلفة. يجري ذلك تحت عناوين ومسميات، من مثل كشف الحقيقة واحترام الرأي الآخر والحفاظ على المصالح الحيوية، والواقعية والبراغماتية في العمل والتعامل مع القوى الأعظم.

لا يختلف كثيراً وضع الشراكة المتوسطية ضد إيران والدول المناهضة للخطوات الغربية لإعادة رسم خريطة المنطقة لصالحها، عن وضع حلف بغداد المركزي في أواخر الخمسينات من القرن الماضي. كان هدف »حلف بغداد« هو الوقوف في وجه النفوذ السوفييتي الذي كان يهدد المنطقة. أفشلت الجماهير العربية والإسلامية والأنظمة الثورية في حينه مشروع حلف بغداد المركزي.

لن يكون مصير مشروع الشراكة المتوسطية أحسن حظاً من مصير حلف بغداد، لا سيما بعد أن كشف المشروع عن جل أوراقه المعادية لتطلعات الشعوب منذ البداية وفي مختلف الاتجاهات. يحدث ذلك استغباء للعرب والمسلمين واستهانة بمستوى ذكائهم وقدراتهم العقلية الاستراتيجية، أو أن الأمور تم ترتيبها مع بعض القيادات العربية المعنية المنساقة بسهولة وراء الوعود الغربية التي مضى زمن طويل على زيفها وثبت عقمها في حل قضايا المنطقة.

في ذلك تبدو أمور الشراكة الجديدة مثل محاولة تجميع »ثعالب وحمير«، للتناوب على تولّي أمور المنطقة التي كما يبدو ستظل تعاني من مثل هذه السياسات الدولية الحمقاء حتى إشعار آخر، إلى حين إسقاطها.

جامعة الإمارات العربية المتحدة

Nasrin@uaeu.ac.ae