حتى لو نجحت لجنة صياغة البيان الوزاري في انجاز عملها وصاغت بياناً متكاملاً متوافقاً حول كل البنود ولاسيما تلك المختلَف عليها، فان ما هو واضح ان الانقسام بين قوى 14 آذار و8 آذار حول سلاح المقاومة ودوره، لم يعد من النوع الذي يمكن اخفاؤه، وحلّه لا يمكن أن يكون ببيان وزاري بل عبر طاولة الحوار، للأسباب التالية:

البيان الوزاري هو خطة عمل الحكومة، وعمر هذه الحكومة عشرة أشهر، فحين تذهب تأتي حكومة جديدة تضع لنفسها بياناً وزارياً قد يكون مختلفاً عن بيان هذه الحكومة، ما يعني ان اتفاقاً على بندٍ ما في البيان الوزاري الحالي قد يُطيحه البيان الوزاري المقبل.

ماذا يعني هذا الاستنتاج?

يعني أولاً ان الحكومة الجديدة تستبق الأمور وتحاول القيام بما يجب أن يقوم به مؤتمر الحوار الذي يُفتَرض فيه أن يضع ثوابت السياسة اللبنانية، ولو ان الحكومات هي التي تقوم بهذا الدور لماذا اذاً انعقد مؤتمر الحوار في آذار من العام 2006? ولماذا تلاه اللقاء التشاوري?

ثمة أمور عالقة تقضّ مضاجع اللبنانيين على امتداد وجودهم من الشمال الى الجنوب ومن بيروت الى البقاع، وهي امور حيوية جداً لا تنتظر وتستدعي معالجة سريعة ولا تحتاج الى طاولة حوار أو الى اتفاق في الدوحة أو غير الدوحة، فالناس لا يأكلون أو يشربون سياسة، ولا يوفّرون الكهرباء لمنازلهم بالسجالات السياسية.

ولا يستعدون لفصل الشتاء والسنة الدراسية بالمماحكات الكلامية، الناس يريدون حداً أدنى من الحياة الكريمة، فليتم تجزئة البيان الوزاري، فيُقسَم الى شقّ حياتي معيشي ليس بالامكان أن يختلف اثنان حوله، أما بنود الاختلاف فمن المؤكد ان المواطن العادي لا ينظر اليها بالاهتمام الذي ينظر اليه السياسيون، الناس يحتاجون الى (استراتيجية) كهرباء لا تنقطع ومازوت مقبول الثمن، وأقساط مدرسية لا تُرهقهم واستقرار أمني لا يجعلهم يستشعرون الخطر في كل مرة يخرجون فيها من منازلهم.

لقد كتب الناس (البيان الوزاري) الخاص بهم (بحبر المعاناة) ولم يعودوا يستطيعون انتظار عمل اللجنة التي، في معظمها، تُفكّر انتخابياً وتتطلع الى صناديق الاقتراع في الربيع المقبل، فيما المواطن يتطلع الى خريف المتطلبات التي بدأت ملامح أثقالها تظهر منذ الآن.