لم يكن ضمن هدف احتلال العراق ان يصبح هذا البلد العربي أقوى مما كان عليه قبل الغزو ، بل الحقيقة التي تثبتها الدلائل ان الهدف كان تفكيك العراق إلى (كانتونات) هزيلة تتناحر فيما بينها ، وتتقاتل على حيازة مصادر الثروة ثم تدخل قوة أجنبية بذريعة الفصل بين المتخاصمين وهي تضمر نهب الجميع ، ومن نتائج الاحتلال المؤسفة سعي كل شريحة اثنية أو مذهبية إلى الانفصال تحت اسماء ومسميات شتى كلها تشي بفجاجة المخطط من اجل تمزيق العراق واضعافه إلى أدنى حد ممكن .

وتبدو نوازع الانفصال جلية في الشمال والجنوب على حد سواء وان اختلفت الوسائل والآليات . وما من شك ان قضية كركوك تشكل ابرز الدلائل على الأغراض المشبوهة لتقسيم العراق ، وهو الامر الذي اتضح اكثر مع بروز ازمة قانون انتخاب مجالس المحافظات . ويعتبر الانقسام بين جهاز الرئاسة في العراق وبين البرلمان حول تمرير القانون اخطر مرحلة يمكن ان تصل إليها الازمة التي زادت من مساحة القلق لدى اشقاء العراق وأبنائه على السواء .

لا احد يمكن ان يناقش في بديهية احترام حقوق الاثنيات والطوائف على اختلافها ، وعلى ذلك تعيش دول كثيرة وتقوى شوكتها دون ان يكون هناك اي نزوع انفصالي ، لأن الرشد السياسي يعني ان يدرك ابناء الوطن الواحد ان تماسكهم في اطار دولة مركزية قوية يكسبهم عزة وطنية وصيانة لترابهم المقدس ، أما إذا انشطروا فستتكالب عليهم الامم تطالب الاكلة إلى قصعتها .

وستثبت لاحقات الايام ان انفصال اكراد العراق يضعفهم ، كما اثبتت سالفات الايام ان كونهم جزءا من العراق الموحد كان سبب قوة لهم .

ان المساواة في حقوق المواطنة هي أمر يمكن ان يكون محل مطالبة قوية إذا ما حدثت أية انتكاسات أو نكوص عن اقرار هذه المساواة ، لكن علاج الخلاف الداخلي بالسعي للانفصال ينطبق عليه قول القائل : ويل لمن يتقي من الرمضاء بالنار .

كذلك فان الشفافية في التوجهات السياسية نحو تسوية أزمة كركوك تعطي فرصة اوسع للتفاهم ومحو احقاد الماضي ، التي لا تزال تفعل فعلها في توسيع هوة الخلاف حول قانون انتخاب المحافظات ، والتعامل مع كركوك بنفس وتيرة التعامل مع باقي المدن والمحافظات العراقية دون النظر إلى كثافة سكانية تنتمي لاثنية بعينها , واعتماد التوافق كأساس للتسوية حول القانون يبدو المخرج المرجح ، لكن هناك من يشتم رائحة الانفصال حول حديث (التوافق) والنظرة الحيادية لأحداث العالم المعاصر تؤكد ان التوحد هو السبيل للبقاء في اتون الصراع على الامتيازات التجارية العالمية وفي نفس الوقت حفظ حقوق الوطن والمواطن في العراق .