استكمالاً لحديث الأمس بمناسبة الذكرى السادسة والخمسين لثورة يوليو الناصرية، أطرح هذا التساؤل: لماذا تلاشت المنجزات الضخمة التي حققتها الثورة للمجتمع المصري بعد نهاية العهد الناصري؟
خلال مدى زمني قياسي أنجزت السلطة الثورية تحولات اقتصادية ــ اجتماعية كاسحة على النهج الاشتراكي، لصالح الشرائح الطبقية العريضة من ذوي الدخل المحدود والتي تشكل الغالبية العظمى للمجتمع.
كانت البداية سن تشريعات الإصلاح الزراعي التي أدت إلى نزع ملكية الأرض من الشريحة الطبقية الإقطاعية وتمليكها لملايين الفلاحين، ومن ثم اتجهت السلطة صوب تمصير وتأميم كبرى شركات القطاع الخاص ذات رأس المال الاحتكاري، بشقيه الوطني والأجنبي.
تلك كانت الخطوة الأولى لإنشاء قطاع عام يقوم على مبدأ التخطيط المركزي، بما يؤدي إلى سيطرة الدولة على القطاعات الاستراتيجية للاقتصاد الوطني، وكان من نتائج هذا التحول الكبير أن الدولة صارت تتحكم في السوق الاستهلاكية لصالح أغلبية الأسر من جماهير الفقراء ذوي الدخل المحدود.
وفي خطوة متقدمة عمدت الدولة إلى إنشاء قطاع صناعي، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي في عدة مجالات صناعية.. من مصانع الأغذية إلى مصانع الحديد والصلب ومواد البناء.
بكلمة واحدة صارت الدولة للمرة الأولى في مصر متحيزة لصالح الطبقات المحرومة وشبه المحرومة. وفي السياق اتسع نطاق الطبقة المتوسطة التي تضم شرائح أصحاب المهارات العليا، من معلمين وأطباء ومهندسين واقتصاديين وفنانين.
أين إذن الخطأ الذي بسببه لم تصمد هذه التحولات بعد رحيل عبدالناصر وعهده؟
السبب الرئيسي هو أن التحول السياسي كان متخلفاً عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية منذ الوهلة الأولى لقيام الثورة في عام 1952 وخلال 18 عاماً إلى أن انتهى العهد الناصري في عام 1970، ظلت السلطة تحتكر العمل السياسي الوطني.
أجل لقد قامت السلطة الثورية بتصفية أحزاب شريحة الإقطاعيين وشريحة أصحاب رأس المال الاحتكاري. لكنها في السياق صنعت تنظيمات القوى السياسية الحية التي لا تتناقض توجهاتها الأساسية مع توجهات الثورة، من إسلاميين وماركسيين بالإضافة إلى الجناح اليساري لحزب »الوفد«.
ومن أجل سد الفراغ السياسي عالجت الثورة الخطأ بخطأ. فقد أقامت تنظيمات سياسية كسيحة كان آخرها »الاتحاد الاشتراكي«، لا تعتمد في بقائها إلا على السلطة الحاكمة. هكذا لم تجد منجزات الثورة من يحميها مع ذهاب العهد الناصري.