يعتقد العديد من الباحثين أن انهيار الاتحاد السوفييتي كان السبب المباشر في ظهور اتجاهات العولمة المعاصرة، والتي يسعى من خلالها الغرب للهيمنة على العقل الاجتماعي في مختلف بلدان العالم، وذلك بالترويج لأنماط الحياة الغربية، والمفاهيم الاستهلاكية في الحياة المعاصرة.
والغريب في الأمر أن الفكر السياسي الغربي الذي أفرز المفهوم الجديد للعولمة، التي اعتبرها الكثيرون عودة للسياسة الاستعمارية بثوب جديد، هو نفسه الفكر السياسي الغربي الذي تحدث عن صراع الحضارات، ويكاد ينتقل من مستوى الرؤية الفكرية ليصبح توجها سياسيا، وهو ما يثير القلق على مستقبل السلام الدولي والاستقرار العالمي.
وهنا يظهر التناقض الحقيقي بين فلسفة التيارين، حيث يتبنى أحدهما درجة عالية من الانفتاح والتواصل، بينما يتبنى الآخر التحول إلى مرحلة المواجهة والصدام الذي يصل إلى حد التعميم والتصنيف الذي لا يستند إلى خلفية مقبولة إنسانياً وأخلاقياً.
ويبدو لأول وهلة أن العولمة هي النقيض لمفهوم صراع الحضارات، لأنها تدعو للتواصل الثقافي والإنساني والحضاري وتعتبره المحرك الأساسي لتطور المجتمع البشرى، وانهيار الاتحاد السوفييتي أدى لسيادة مفاهيم مشتركة حول نوعية وتركيبة المجتمعات تساعد على سيطرة مفاهيم العولمة، وهو ما يربط العولمة بالنظام العالمي الجديد الذي ينطلق من الغرب.
وهنا بالضبط يكمن التناقض، أن المنطلق يروج لسياسة العولمة ويتحدث عن صراع الحضارات، أي يدعو لاتجاهين متناقضين، ويقدمهما كتعبير عن تطور الثقافة والفلسفة الأوروبية والغربية.
ولا بد من القول إن الحضارة الروسية، على اختلاف النظم السياسية والاقتصادية التي سيطرت على السلطة فيها خلال مئات السنين، إلا أنها عاشت تجارب غنية في مختلف هذه الاتجاهات، بحكم التعددية العرقية والدينية التي تسيطر على تركيبتها السكانية.
وتجسدت في الحضارة المسيحية الأرثوذكسية الشرقية، التي أثبتت قدرتها على التعايش مع العالم الإسلامي، وتعيش الحضارتان المختلفتان ضمن إطار دولة واحدة في سلام، في وقت نشهد فيه صراعا بين الشمال والجنوب بسبب الفوارق المادية والحضارية، وذلك بعد الصراعات الأيديولوجية بين الشرق والغرب التي شهدها القرن الماضي.
وباءت بالفشل كل محاولات تطبيق طريقة التفكير والقيم الغربية في العالم الإسلامي، وفشلت كافة المساعي لهيمنة حضارة على الأخرى، ما أبرز أهمية تجربة روسيا كسبيل لاجتياز التناقضات الحضارية، والتي هي أعمق من الاعتبارات السياسية. وأصبحت روسيا تمثل حلقة الوصل الحضارية بين آسيا وأوروبا، والشرق والغرب. وقد بدأت روسيا تعمل على تدوير الزوايا وتخفيف حدة التناقضات الاقتصادية والحضارية التي تنغص حياة العالم.
ورفض الباحثون الروس مفهوم صراع الحضارات لما يحمله من مخاطر على مصير الدولة الروسية، والتي تمكن المجتمع المعاصر بالفعل من تبديدها، وأصبح حوار الثقافات والحضارات والتعايش القائم على الجيرة الطيبة والديمقراطية، الذي عركه الدهر بين الحضارتين المسيحية الأرثوذكسية والإسلامية، يشكل ضمانا لاستقرار روسيا ووحدة أراضيها.
ولعل الأزمات السياسية التي واجهتها روسيا خلال السنوات الماضية، والتي استخدمت شعارات تعبر عن صراع العقائد والقوميات، كان يمكن أن تتفاقم لو أن السياسة الروسية اعتمدت مبدأ صراع الحضارات، أو العولمة المتوحشة التي يروج لها الغرب، والتي تلغي الآخرين لحساب الأقوى.
إن فلسفة السياسة الروسية تقوم على التعايش وتبادل المصلحة واحترام حقوق الآخر، لأنه السبيل الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار، خاصة في بلد متعدد الأديان وتعيش فيه أكثر من مئة قومية.
ويعتقد العديد من الخبراء أن رفض الغرب الاستفادة من التجربة الروسية، وأن تصبح روسيا ككيان متميز تاريخيا وقائم بذاته أهم شريك للغرب في تحقيق التوازن السلمي بين الثقافات والحضارات العالمية، يعود إلى أطماع القوى والمراكز الاحتكارية التي تحاول الهيمنة على مصادر الثروة في العالم، وقد تكون أيضا سمة النظام العالمي الجديد.