فزع العرب لنجدة الرئيس السوداني (عمر البشير)، وأكدوا مساندتهم «المطلقة» له، وما كان لهم إلا أن يفعلوا ذلك! كيف يتهم رئيس عربي مسلم وهو في عز سلطانه؟!
لقد فعلها «أوكامبو» رغم التحذيرات والتهديدات، واتهم «البشير» وطلب من «المحكمة» توقيفه، وأوضح: إنه بعد تحقيق استمر ثلاث سنوات، بناء على طلب مجلس الأمن، تجمعت لديه مبررات معقولة للاعتقاد بأن البشير يتحمل المسؤولية الجنائية عن (10) جرائم «إبادة جماعية» و«ضد الإنسانية» و«جرائم حرب»، أدت إلى مقتل 35 ألف شخص ـ بشكل مباشر ـ في هجمات شنتها «القوات السودانية» و«الجنجويد»، وتعرّض 5, 2 مليون آخرين لحملات «اغتصاب وتجويع وترهيب» في مخيمات اللاجئين.
وأضاف أن «البشير بدلاً من معاقبة المتورطين في تلك الجرائم، أصدر أوامره بترقيتهم، كالوزير أحمد هارون المطلوب للمحكمة الدولية منذ العام الماضي.
هذه لائحة الاتهامات، فماذا كانت ردود الفعل السودانية والعربية عليها؟
من الطبيعي أن يرفض البشير تلك الادعاءات ويصفها بالأكاذيب، ويقول نائبه: إنه لا سلطان للمحكمة على السودان، لأنه ليس عضواً فيها. ويرقص البشير ـ طرباً وتحدياً ـ رافعاً عصاه إلى السماء، هاتفاً «الله أكبر» وسط الحشود الهاتفة بحياته.
أما المعارضة السودانية فقد توجست خيفة من أمر القبض على البشير، لأنه سيزعزع استقرار السودان وسيتسبب في «انهيار دستوري»، بينما رحبت الحركات المسلّحة في دارفور بلائحة الاتهامات واعتبرتها «نصراً» للعدالة.
وعلى الصعيد العربي انتقد أمين التعاون الخليجي القرار بوصفه «تدخلاً» في الشأن الداخلي، ولبت «الجامعة» استغاثة البشير وعقدت اجتماعاً للوزاري العربي ليعلن مساندته «المطلقة» له ورفضه المساس بـ «حصانة» الرؤساء و«التسييس» وكلفوا «موسى» بحمل «الخطة العربية» للبشير التي تتضمن: محاكمة المتهمين بالجرائم، وعقد اجتماع دولي للسلام، وتعطيل قرار توقيف البشير.
وافق البشير على الخطة، وقرر تشكيل محاكم «خاصة» بجرائم دارفور، وقام نقيب اتحاد المحامين العرب بزيارة البشير وأعلن دعمه، وذلك ليس بمستغرب على الاتحاد، فقد دافع بالأمس عن صدام وقاد مسيرات تأييد متجاهلاً مقابره الجماعية!!
وانقسمت القوى السياسية المصرية بين الليبراليين وبعض منظمات حقوق الإنسان المؤيدين للقرار، والإخوان والناصريين المعارضين له. ونشرت «إيلاف» مقالات لكتاب أيدوا القرار، لكنهم تعرضوا لتعليقات مسيئة من القراء.
ترى ما حجج المدافعين عن البشير؟ وما قيمتها القانونية؟
الرئيس البشير، رئيس دولة له «حصانة» تمنع مساءلته، السودان دولة «ذات سيادة» فلا وصاية للمحكمة عليها، القرار «انتقائي» و«مسيس» يهدف لمعاقبة البشير بسبب سياسته المناهضة لأميركا، لماذا لا يحاكم المجرمون الكبار في إسرائيل وأميركا؟! المساس برئيس عربي، مساس بـ «الكرامة العربية».
هذه حجج لا قيمة قانونية لها، ولا تصلح مستنداً لمحام، فضلاً عن أن تقنع قاضياً. «الحصانة» ليست مطلقة، والحاكم ليس حراً يفعل في شعبه ما يشاء، و«السيادة الوطنية» ليست ستاراً لممارسة جرائم منكرة، أو ذريعة للإفلات من المسؤولية الجنائية في عصر أصبح متعولماً، تتأثر فيه الشعوب بعضها ببعض. لقد تطورت قواعد القانون الدولي لتقيد قانون السيادة بهدف حماية حقوق الإنسان، ومشاهد القتل التي تنقلها الفضائيات ويشاهدها إنسان في أقصى الأرض تعطيه الحق في أن يطالب حكومته بالتدخل.
وكون السودان لم يوقع على ميثاق المحكمة لا يحول دون تدخلها، وبخاصة إذا تقاعست الدولة عن محاكمة المتورطين في الجرائم الكبرى، فضلاً أن مجلس الأمن قد أحال القضية عليها.
إن ردود الفعل العربية «انفعالية» تشبه أساليب «الفزعة» القبلية التي عبر عنها الشاعر في بيته المشهور: (لا يسألون أخاهم حين يندبهم.. في النائبات، على ما قال، برهاناً).
وهي أساليب هجرها العالم لقلة جدواها وعدم مناسبتها لمنطق العصر، وأما «انتقائية القرار» فدعوى من غير دليل، ينقضها أن البشير ليس أول رئيس يلاحقه القضاء الدولي، هناك (11) حالة توقيف لرؤساء ومسؤولين من شتى الجنسيات والأديان، العرب ـ وحدهم ـ شككوا في المحكمة واتهموها بالتسييس، مع أن القضية هنا تتعلق بجرائم ضد «مسلمين» كل ذنبهم أنهم ليسوا «عرباً» من جنس حكامهم!
اليوغسلاف سلموا زعيمهم السفاح (ميلوشفيتش) للقضاء الدولي ولم يشككوا ولم يفزعوا، وسيسلمون (كاراجيتش) السفاح الذي قتل (8) آلاف مسلم من غير أي تشكيك! ومنطق من يشكك في العدالة الدولية بحجة إفلات «الحيتان الكبار»، هو نفس منطق اللص الذي يحتج أمام القاضي باللصوص الكبار الذين لا تطالهم المحكمة، وهو منطق مرفوض أمام القضاء.
«أوكامبو» اتهم البشير ولم يدنه، والمتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة عادلة، وقضاة المحكمة الدولية (18 قاضياً) من القارات الخمس، هم قضاة مرموقون لا يجوز التشكيك فيهم.
الآن كيف تعالج القضية؟ السودان بلد عزيز على قلب كل عربي، وشعبه أنقى شعوب الأرض، وأمر السودان يهمنا مثل رئيسه. المظاهرات وحفلات الرقص والتأييد لا تفيد شيئاً، والذين طمأنوا البشير بالحصانة والسيادة غير صادقين، وهؤلاء الذين ذرفوا دموع التماسيح هم أول من يتخلون عنه كما فعلوا مع غيره، ولو كانوا صادقين لأخلصوا النصح.
وهم يرون النظام يتورط في سلسلة من الأخطاء، ويسلح القبائل العربية لتهاجم قرى المزارعين، وعلى امتداد خمس سنوات كان العالم يشاهد آلافاً تقتل وتشرد وتغتصب، بينما كان العالم العربي في غيبوبة عميقة!! أين كان هؤلاء المتباكون اليوم من مآسي دارفور؟!
أين كان «إعلامنا» من تلك المشاهد المأساوية؟! أين كانت ضمائرنا؟! أين كانت «الجامعة العربية»؟ لماذا تركنا النظام السوداني يرتكب الأخطاء تلو الأخطاء ولم نقدم له النصيحة المخلصة، تلك الأخطاء التي استغلتها منظمات حقوقية دولية سعت لوضع البشير في قفص الاتهام؟!
لن يساعد السودان إلا أبناؤه، ولن يساعد البشير إلا الإرادة السياسية الحازمة لمعالجة القضية، وتشمل:
الاعتراف بتحمل المسؤولية عن الأخطاء، محاكمة المتورطين في الجرائم والإعلان عنها، إعلان التعاون مع منظمات المجتمع الدولي، المصالحة الداخلية الشاملة، الإقلاع عن السياسات الخاطئة التي أدت إلى اتساع حركات التمرد، وحقن الدماء وإصلاح ذات البين ومعالجة أوضاع اللاجئين والمشردين ومداواة جراحهم وتعويضهم مادياً ومعنوياً.
وأخيراً، فإن صديق السودان من صَدَقه، لا من صدّقه وجاراه في أخطائه، وزين له تحدي المجتمع الدولي، وركوب الرأس، والتظاهر بالعنتريات الفارغة.
كاتب قطري