من المفارقات ذات الدلالة أنه وبعد أيام قلائل من إنتهاء أحداث الفتنة التي شهدتها بعض مديريات محافظة صعدة وإعلان فخامة الرئيس علي عبدالله صالح قراره الشجاع بوقف العمليات العسكرية لإفساح المجال أمام عودة الأمن والاستقرار إلى كافة المناطق التي امتدت إليها ذيول تلك الفتنة حتى تعاود يد الارهاب أفعالها الإجرامية والدنيئة من جديد من خلال التفجير الآثم والجبان الذي استهدف معسكراً تابعاً للأمن المركزي والأمن العام بمديرية سيئون بمحافظة حضرموت وأدى إلى استشهاد أحد الجنود وإصابة 11 آخرين من أفراد ذلك المعسكر، بالإضافة إلى إصابة ست نساء وإلحاق أضرار بالغة في عدد من منازل المواطنين المجاورة للمعسكر.

واللافت في هذا التزامن أنه الذي يكشف عن حلقات الاستهداف المتواصلة على اليمن وأمنه واستقراره وأن هناك من يسوءه أن يتفرغ هذا البلد لمسارات البناء والرقي التنموي والديمقراطي وإنجاز أهداف التطور التي يتطلع إليها أبناؤه ولذلك فقد ظل رهان العناصر المتطرفة على إقلاق الأمن وزعزعة الاستقرار بهدف إعاقة التنمية وضرب الاستثمار والسياحة وحركة الاعمار، ولا غرابة أن تكون تلك هي غاية الفئة الضالة من أعداء الحياة الذين تجردوا من كل القيم الأخلاقية والوطنية والدينية والإنسانية وانساقوا وراء أحقادهم وأمراضهم وأفكارهم الشيطانية التي قادتهم إلى الانحراف والضلالة وعصيان الله ورسوله.

والشيء المؤكد أن ما تعرضت له اليمن من حوادث وأعمال إجرامية خلال الفترة الماضية وآخرها التفجير الإرهابي بمديرية سيئون إنما هي التي تفصح عن نتيجة واحدة تشير إلى أن المجتمع اليمني المعروف باعتداله ووسطيته ونهجه القويم والمتسامح أصبح في دائرة الاستهداف من قبل معتنقي فكر التطرف والتعصب والتشدد، وهو ما يعني أن من يحملون ذلك الفكر الضال صاروا يحقدون على أبناء المجتمع اليمني المسلم بسبب امتثالهم وتمسكهم بالجوهر النقي للدين الحنيف الذي يعمل أولئك الإرهابيون على تشويه صورته وإظهاره على غير حقيقته النيرة الداعية إلى الرحمة والوئام والسلام والمحبة.

وهو ما تراه تلك العناصر الإجرامية فضحاً لها ولسلوكها العليل الذي تسببت من خلاله في تأليب مشاعر العداء ضد المسلمين وتمكين أعداء الأمة من استباحة ثوابتها وتصفية حساباتهم مع شعوبها كما يظهر ذلك في ما يجري اليوم في العراق والصومال وما يمارس بحق السودان من ابتزاز.

وفي ضوء كل ذلك فإن الواجب علينا في اليمن أحزاباً ومنظمات وأفراداً ومواطنين رص الصفوف في مواجهة خطر التطرف والارهاب الذي يستهدف وطننا وعقيدتنا انطلاقاً من تحصين شبابنا من ذلك الفكر المنغلق والنأي بهم عن الوقوع فريسة للعقول المتحجرة التي تسعى إلى تفسير أحكام الدين بطريقة تتناسب مع أهوائها ونوازعها وأهدافها الشريرة وذلك عبر التغرير بالشباب الذين يجهلون حقيقة الدين الإسلامي الحنيف وتعاليمه ودفعهم إلى أعمال الإجرام وسفك الدماء وقتل النفس التي حرم الله.

فتحصين الشباب من ذلك الفكر المتطرف يعد مرتكزاً أساسياً لمحاصرة ظاهرة الإرهاب وتطويق شرورها والتخلص من أفعالها الآثمة خاصة بعد أن تأكد عملياً أن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي لاجتثاث هذه الآفة وهي مهمة ينبغي علينا جميعاً القيام بها للحد من تغلغل هذه الآفة التي تتصادم كلياً مع طبيعة المجتمع اليمني التي تنبذ التعصب والتطرف والتشدد وكذا سلوكيات أبنائه الذين حملوا راية الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها ونشروا تعاليم رسالته السمحة بالموعظة الحسنة فكانوا خير قدوة في تمثل قيم الإسلام لتهتدي بهم الأمم الى نور الحق وهو ما يجهله اليوم أولئك الغلاة الذين يستبيحون حرمة دماء المسلمين ويلحقون الأذى بمجتمعاتهم وشعوبهم وأمتهم وهم من ينطبق عليهم قوله تعالى في محكم كتابه: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) "58" سورة الأحزاب.