في الوقت الذي تتجه فيه انظار الشعب الفلسطيني الى القاهرة ، للاعلان عن بدء الحوار الوطني الفلسطيني ، جاء انفجار غزة الدامي ، وسقوط ستة اشخاص ، خمسة منهم من كتائب القسام وطفلة ، ليلقي بظلال من الشك حول بدء الحوار في ظل الاتهامات المتبادلة بين الطرفين ، والتي ساهمت في رفع وتيرة الاحتقان الداخلي وتأجيل الحوار الى أجل غير مسمى.

وفي هذا السياق لا بد من استذكار حالة التفاؤل التي عمت الساحة الفلسطينية ، بعد اعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن اطلاق مبادرة الحوار في الخامس من الشهر الماضي ، والتهدئة التي سادت خطاب الطرفين فتح وحماس ، وترحيب كافة الفصائل بالحوار ، باعتباره المخرج الوحيد من المأزق الذي وصلت اليه القضية الفلسطينية بعد انقلاب حماس في حزيران 2007 ، والطريقة المثلى لتوحيد الجبهة الداخلية ، ورص الصفوف في وجه الهجمة الصهيونية الشرسة التي تجلت في استمرار الاستيطان ، والاصرار على رفض قرارات الشرعية الدولية ، وخريطة الطريق ومناخات انابوليس.

حالة التفاؤل مع الأسف بدأت تتراجع في ظل التسريبات الاعلامية من الطرفين حيث اصر كل طرف على موقفه. ففيما اصرت السلطة على وجوب رجوع حماس عن الانقلاب ، اصرت حماس على رفض هذه الشروط ، ما اعاد الامور الى بدايتها الملتهبة.

خطورة التفجيرات التي حدثت في غزة ، انها كشفت ان طريق الحوار غير سالك ، ففي الوقت الذي سارعت حماس الى اتهام فتح بأنها تقف وراء التفجير المذكور ، رفضت الاخيرة الاتهام ، مشيرة الى ان ما حدث هو صراع قوى داخل حماس ، ما ساهم بعودة الاحتقان الى الساحة الفلسطينية وبصورة ملحوظة تنذر بتداعيات خطيرة ، ما ادى بالقوى السياسية الى الدعوة الى التهدئة وتغليب لغة العقل ، ونبذ الاتهامات وترشيد الخلافات كسبيل وحيد لاستيعاب الاحداث الاخيرة ، وتطويقها ، حتى لا تؤثر سلبا على الاجواء التي دشنتها الدعوة الى الحوار.

من ناحية اخرى فان عودة الاتهامات الى الساحة الفلسطينية ، علاوة على انه يضر بالقضية وبالمشروع الوطني الفلسطيني ، فانه يخدم اسرائيل والقوى المعادية للحق الفلسطيني ، في الوقت الذي بدأ المجتمع الدولي. بالضغط على اسرائيل لوقف الاستيطان والموافقة على اقامة دولة فلسطينية الى جانب دولة اسرائيل ، وهذا ما اعلنه صراحة الرئيس الفرنسي ورئيس وزراء بريطانيا في زيارتيهما الاخيرتين لاسرائيل.

من هنا فما حدث في غزة يستهدف بالدرجة الاولى تعطيل الحوار الفلسطيني ، والابقاء على حالة الانقسام والتشرذم ، وضرب الوحدة الوطنية ، ما يفرض على الطرفين المتخاصمين فتح وحماس وبقية الفصائل تطويق تداعيات هذه الجرائم والاصرار على الحوار ، كخيار وحيد لعودة الروح الى الوحدة الوطنية الفلسطينية والتصدي للمشروع الصهيوني والتمسك بالثوابت ، التي اصبحت مهددة بالانتهاك في ظل الانقسام الفلسطيني ، الذي اغرى اسرائيل بالاستمرار في الاستيطان ، وعدم الالتزام بالقرارات الدولية.

مجمل القول: ما حدث ويحدث في غزة ، وفي الضفة الغربية المحتلة امر محزن ومؤسف ويستهدف بالاصل ضرب الحوار قبل ان يبدأ ، والابقاء على الحالة الفلسطينية في اسوأ اوضاعها وقد نخرها الانقسام والضعف ، ما يؤكد وجود ايد خفية مهمتها ضرب القضية الفلسطينية في الصميم ، وهذا ما يدعو الجميع ان يتقوا الله في وطنهم. ومقدساتهم ، وان يعودوا الى لغة الحوار.. كخيار وحيد.