في يوم إجازة، وخطاب رويتني لرئيس الدولة، وعرض التلفزيون للفيلم القديم الذي حفظه المشاهدون »رد قلبي«. احتفلت مصر بعيد ثورة يوليو السادس والخمسين! غابت الروح التي كانت تجعل من هذا اليوم عيداً حقيقياًً لمصر والعالم العربي، وتوارت تلك الأيام التي كان العالم كله ينصت لخطاب عبد الناصر في هذا اليوم، ليعرف إلى أين تتجه الأحداث في هذه المنطقة..
رحل عبد الناصر، وانكسر التيار القومي، وتغيرت الظروف والأحوال، وتحول 23 يوليو إلى يوم للغياب وافتقاد الحلم، وجاءت أجيال جديدة تتعرض منذ سنوات لأبشع عمليات التشويه للذاكرة الوطنية، في ظل مشروعات مشبوهة لمستقبل المنطقة تقوم كلها على نفي عروبة العرب، ومنعهم من امتلاك القوة وتحقيق النهضة التي يملكون كل أسبابها.
تواضع الاحتفال بيوليو لم يمنع أحاديث الذكريات في بعض وسائل الإعلام، ولم يمنع من طرح الأسئلة التي تبدأ مما كنا فيه وما أصبحنا عليه، وأين كان الخطأ والصواب؟ لتنتهي بالسؤال المهم: هل انتهت يوليو بكل ما تمثله؟ وهل علينا أن نقوم بمراسم دفنها؟ أو.. ماذا بقي منها لنحتفل به؟
نعم.. ماذا بقي لنحتفل به؟ هذا هو السؤال الذي يتم طرحه في ظل ظروف وتحولات سياسة واقتصادية واجتماعية هائلة.. في الداخل كانت الثورة طريق الفقراء لتحقيق أحلام ظلت مستحيلة لمئات السنين. تحول الفلاحون الذين يمثلون الغالبية العظمى، من عبيد للأرض إلى مواطنين تمتعوا هم وأولادهم بالتعليم المجاني والرعاية الصحية، وقبل ذلك بالكرامة الإنسانية.
انفتحت الأبواب للتصنيع وبناء الدولة الحديثة التي تمتلك القوة الاقتصادية والعلمية والعسكرية، وتمتلك قبل ذلك وبعده الإرادة الحرة والرؤية الواضحة لمصر في محيطها العربي، والتي توحدت حولها الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج، في معركة صعبة من أجل الاستقلال والتقدم.
هكذا كانت يوليو وهي تخوض معركتها الصعبة، وسط مقاومة مستميتة وعداء هائل من كل القوى التي كانت ترى في نهضة العرب خطراً على مصالحها. وهكذا تعددت المؤامرات حتى كانت هزيمة 67، ومع ذلك لم تفقد الملايين ثقتها في قدرتها على تجاوز الكارثة ورفضت الاستسلام، وصممت على المقاومة. ورغم رحيل عبد الناصر وهو يعيد البناء استعداداً للثأر، فقد استمرت المعركة حتى كان النصر العظيم في أكتوبر 73.
لكن مسيرة أكتوبر لم تكتمل، وتم ضرب التحالف العربي الذي حقق النصر، وانقضّت قوى الثورة المضادة لتأخذ مصر في مسار آخر، وغرق العالم العربي في بحر الانقسامات وأوهام الزعامة، وانكسر الحلم القومي، وانتهى الأمر إلى الوضع البائس الذي نشاهده من فلسطين إلى العراق إلى السودان.. بينما في الداخل كان الانقلاب في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، يضرب المكاسب التي تحققت ويخلق واقعاً جديداً يفرض التساؤل الذي أشرنا إليه سابقا: ماذا تبقى من ثورة يوليو لنحتفل به؟!
لكن السؤال ـ رغم بساطته ـ لا ينطلق بلهجة واحدة ولا يأتي من رؤية موحدة، فهناك القلة التي يسعدها أن تغيب يوليو بكل ما أنجزته وبكل ما ترمز إليه. وهؤلاء ينطلقون من أن يوليو كان خطأ أو خطيئة دفعت مصر ثمنها، وأنهم يقومون بمهمة »مقدسة!!« في القضاء على ما تبقى من آثارها، وفرض تصورهم لمصر المنكفئة على نفسها المنعزلة عن عالمها العربي، والمنقسمة ـ كما كانت قبل يوليو ـ إلى أقلية تملك كل شيء وأغلبية لا تملك إلا فقرها وشقاءها!!
نفس السؤال تطرحه الأغلبية من منظور آخر، فهي تفرق بين يوليو الثورة، وبين الانقلاب عليها! وهي تنظر ليوليو على أنه الفترة الاستثنائية بين مرحلتين: مرحلة ما قبل 52 التي جعلت الثورة ضرورة حتمية، والمرحلة التي بدأت في السبعينات لتسير بمصر (وبالعالم العربي) في طريق آخر انتهي إلى ما نحن فيه.
والسؤال هنا يطرح نفسه وتطرحه الملايين في مصر وفي العالم العربي انطلاقاً من أوضاع تفتقد فيها الأمن القومي، وتطلب فيها العدل والحرية، وتدرك فيها أن هويتها العربية ليست رداء تلبسه وتخلعه حسب الظروف، وترفض أن تحدد القوى الخارجية (الدولية والإقليمية) مستقبل المنطقة في غياب العرب ودون مراعاة لمصالحهم.
الملايين في مصر والعالم العربي حين تسأل: ماذا تبقى من يوليو لنحتفل به؟ تعلن افتقادها لمشروع النهضة الذي يجمع العرب والذي يحقق آمالهم في الحرية والتقدم والعدل الاجتماعي. تدرك أن هذا المشروع وحده، هو الذي يستطيع الوقوف ضد الأطماع الأجنبية، وهو الذي يمنع من الانقسام على أسس طائفية أو مذهبية، وهو الذي يفتح أبواب التقدم والنهضة.. وهذا هو ما فعلته ثورة يوليو رغم كل الأخطاء وربما الخطايا، وهذا هو ما تفعله كل الثورات العظيمة على مر التاريخ.
ماذا تبقى من يوليو لنحتفل به؟ قد يبدو السؤال من الظاهر سؤالاً عن النهاية وتأكيداً للغياب. ولكن من يعرف مصر ويفهم الأحوال في عالمنا العربي، لا بد أن يدرك أنه سؤال عن البداية، وتأكيد للحضور في عز الغياب!!
