حيث تتشابه أحداث حركة التاريخ ولا تتكرر، وحيث تتشابه هذه الأيام العصيبة التي تواجهها شعوبنا العربية والإسلامية اليوم مع عودة السياسات الإمبراطورية الاستعمارية الجديدة بالإملاءات والإنذارات والتهديدات، وبسياسة العدوان والغزو والاحتلال لكل الدول والشعوب والقيادات التي ترفض الهيمنة وترفض الخضوع لمشاريعها ولسياساتها.
بما لا يختلف كثيرا عن سياسات الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة التي انتهت مع نهاية الفصول التاريخية المجيدة والمثيرة لحرب السويس، الفاصلة بين عصرين، ما قبل السويس وما بعد السويس. لتصنع السويس بآثارها الزلزالية على الإمبراطوريات الاستعمارية معادلات استراتيجية جديدة، ليس في المنطقة العربية فقط ولكن في علاقات القوى الكبرى على الخريطة العالمية أيضا..
تستعيد ذاكرة الأمة تلك الأيام التاريخية في مصر التي حدثت بالأمس في مثل هذا الشهر، والتي امتدت من 26 يوليو عام 1956 مع تأميم قناة السويس، مرورا بالعدوان الثلاثي الفاشل في 29 أكتوبر، وانتهاء بالخامس من نوفمبر من العام نفسه بفشل الحملة العدوانية الثلاثية الإنجليزية الفرنسية الصهيونية على بورسعيد.
وانتصار المقاومة الوطنية المصرية التي جمعت الجيش والشعب معا حول قيادتها التاريخية التي لم ترهبها إنذارات الدول الكبرى، ورفضت من على منبر الجامع الأزهر الشريف الاستسلام لتهديداتها وصممت على المقاومة ومواجهة عدوانها، مرددة نشيدها الخالد »الله أكبر..« ليشهد العالم عصرا تحرريا جديدا مع بداية انحسار عصر الاستعمار القديم.
لتتكون ملامح المشهد العالمي الجديد بين قوى التحرر والمقاومة، وقوى الاحتلال والهيمنة وقوى التبعية والمساومة، الذي ولد مداً قومياً عربياً هائلاً تجلى في مطاردة الاستعمار بلا هوادة في البلاد الواقعة تحت الاحتلال.
وأبرزها المقاومة الوطنية الجزائرية ضد الوجود الاستيطاني الفرنسي حتى تحقق الاستقلال عام 62، ومداً شعبياً ثورياً وطنياً تجلى في إسقاط الحكومات الواقعة تحت النفوذ الاستعماري الانجليزي، خصوصا بثورة 14 يوليو التي أسقطت سياسة الأحلاف في العراق عام 58 لتدفع حكومته ثمن تأييدها للعدوان الثلاثي على بلد عربي شقيق، ومداً تحررياً مقاوماً في العديد من بلدان آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية انتهى بغروب شمس الاستعمار عن الإمبراطوريات المسيطرة التي لم تكن تغيب عنها الشمس.
لكن الذين يعرفون ردوا بالوثائق وبالوقائع وباعترافات وشهادات ساسة وقادة المعتدين على دعاوى الهزيمة، وبعيدا عن مفردات الهزيمة والنصر بما كشف حقيقة المؤامرة الإمبراطورية الاستعمارية المستمرة بصورها القديمة والجديدة، والتي انكسرت وتراجعت أكثر من مرة أمام إرادة الشعوب.
بالأمس بصمود المقاومة الشعبية المصرية في السويس وبورسعيد وبسالة رجال الجيش المصري في سيناء، مثلما فشلت وخسرت وأجبرت على التراجع بعدها في مثل هذه الأيام التموزية المجيدة بانتصار المقاومة الشعبية الجزائرية، وبانتصار المقاومة الشعبية اللبنانية، ومن شاهد وتابع حلقات الكاتب الصحافي الكبير الأستاذ هيكل على قناة الجزيرة سوف يعرف ما هو أكثر..
والذين يفكرون بعقلية المساومة والهزيمة وينكرون قدرة الشعوب على المقاومة والنصر، يمكنهم أن يسألوا أو يقرأوا مذكرات إيدن الذي انهار وموليه وبن جوريون الذي توارى مع الانسحاب من سيناء، فيما بقي عبد الناصر ليواصل مع المقاومين في العالم رفع أعلام الحرية ورايات الاستقلال، ليتأكد الجميع في النهاية أننا نظلم أنفسنا بإشاعة أننا أمة ضعيفة أو مهزومة.. ربما نكون أمة مأزومة، ولكننا لم نكن ولن نكون أمة مهزومة.