مرت الذكرى السادسة والخمسون لثورة 23 يوليو المصرية دون كبير احتفاء، مع أنها أهم معلم في التاريخ السياسي العربي المعاصر. فما الذي جعل لها هذه الأهمية العظمى؟ الإجابة هي أن الوجهة الاستراتيجية للثورة تغيرت خلال أربعة أعوام فقط من قيامها.. ودون قصد مسبق.
لقد أراد لها طاقمها القيادي بزعامة جمال عبدالناصر أن تكون طليعة لمرحلة جديدة من النضال القومي العربي ضد الاستعمار الأوروبي ــ بشقيه البريطاني والفرنسي ــ فإذا بالقيادة تجد نفسها في مواجهة قوة استعمارية صاعدة هي أشد بأساً من سابقتها.. قوة الاستعمار الجديد المتمثل في الولايات المتحدة وتوجهها الإمبراطوري العدواني لصالح دولة اليهود الناشئة.
حتى عام 1956 كانت الولايات المتحدة، في نظر مجموعة الضباط الأحرار الحاكمة التي أطاحت بالنظام الملكي، دولة صديقة. بل إن من بين وقائع التاريخ الثابتة أن الطاقم الدبلوماسي والاستخباراتي للسفارة الأميركية في القاهرة، كان له علاقة تشاورية وتنسيقية مع التنظيم السري للضباط الأحرار، في إطار التحضير لعملية الاستيلاء على السلطة.
فقد كان الانطباع العالمي الراسخ عن أميركا حينئذٍ، هو أنها لاتزال أميركا الرئيس وودرو ويلسون الذي كان يعلن في صدق وإيمان في أعقاب الحرب العالمية الأولى »1914 ــ 1918« التزاماً أميركياً صامداً بمبدأ حق الشعوب في التحرر وتقرير المصير.
ما لم يفطن إليه عبدالناصر ورفاقه الضباط الأحرار في وقت مبكر، هو أن أميركا التحررية كانت تتآكل بعد الحرب العالمية الثانية، لتحل محلها أميركا الاستعمارية لتعمد إلى سد الفراغ الناجم عن العد التنازلي للاستعمار البريطاني والفرنسي. ومع مرور السنين كان من المحتم أن تتكشف معالم الصورة الأميركية الجديدة أمام السلطة الثورية الناصرية.
لإطلاق رصاصة الرحمة الأخيرة على الاستعمار الأوروبي المتراجع، عارضت إدارة الرئيس دوايت أيزنهاور العدوان الثلاثي »بريطانيا وفرنسا ومعهما إسرائيل« على مصر في عام 1956. ولكن ما إن حل العام التالي حتى طلعت الإدارة الأميركية بــ »مشروع أيزنهاور« بهدف حشد الدول العربية في صف واحد مع إسرائيل ضد الاتحاد السوفييتي. تلك كانت الحلقة الافتتاحية كمخطط أميركي كبير لإعادة استعمار العالم العربي. وتوالت الحلقات من إنزال عسكري في لبنان، إلى دعم إسرائيل في حرب 67، وإلى معاهدات »السلام« و»التطبيع«.