سياسة اللاعودة الإيرانية بشأن تخصيب اليورانيوم والتحول إلى دولة نووية، دولة تمتلك الطاقة النووية المدنية وليس بالضرورة العسكرية، من جهة والإعلان من طرف واشنطن أن كل الخيارات مطروحة على الطاولة من جهة أخرى مؤشران أساسيان حول »لعبة« استراتيجية حافة الهاوية التي لجأت إليها كل من واشنطن وطهران في صراعهما في الشرق الأوسط وحول الشرق الأوسط.
وللتذكير فإن المسألة النووية هي دون شك إحدى أهم عناصر هذه المواجهة ولكنها ليست المسألة الوحيدة فهي تتغذى وتغذي مسائل ومشاكل أخرى قائمة بذاتها في المنطقة.
تتسرب معلومات من واشنطن عن وجود سيناريوهات للتدخل في إيران سبقت الحرب على العراق وتبلورت بين نهاية 2002 وربيع 2003. سيناريوهات تعكس التحول الذي حصل في الاستراتيجية الأميركية في الخليج، بعد 11 سبتمبر ومع المحافظين الجدد الذين صاروا في موضع التأثير القوي في صنع القرار، التحول من استراتيجية الاحتواء المزدوج لإيران والعراق التي تبلورت في منتصف التسعينات إلى استراتيجية التغيير المزدوج في العراق وإيران.
لكن إيران ليست كالعراق من حيث حجم أوراقها الذاتية والدولية كما أن »التجربة المرة« في العراق يفترض أن تشكل كابحاً للتفكير باستنساخ النموذج العراقي التحريري في إيران ولو بتعديلات معينة.
رغم ذلك نسمع عن السيناريوهات في استراتيجية حافة الهاوية من نوع الضرب الانتقائي أو الضرب التصعيدي التدرجي كجرس إنذار لإيران كما نسمع باستراتيجية الضربة الكثيفة القاضية بواسطة السلاح النووي التكتيكي لكن هنالك العديد من الروادع التي تجعل سيناريوهات من هذا النوع بمثابة سيناريوهات شمشومية.
فضربات جرس الإنذار لن تدفع إيران إلى إعادة النظر بسياساتها لاعتبارات استراتيجية ونفسية وعقائدية وداخلية بل ستدفعها إلى اعتماد سياسة أكثر جذرية وتصلباً. كما أن سيناريو الضربة النووية التكتيكية تقف دونه .
كما دون السيناريوهات الأخرى روادع أربع أساسية منها التلوث البيئي والخسائر البشرية الكبيرة المنتظرة باتجاه شرق إيران في أفغانستان وباكستان إلى جانب بالطبع الضحايا في إيران والتي ستكون بمثابة تشرنوبل مضاعفة بشدة حسب العديد من التقارير، إغراق واشنطن كلياً في العراق بحيث يتحول وجودها العسكري إلى رهينة لسياسات إيران وحلفائها في »المسرح« العراقي، إقفال مضيق هرمز ونتائج ذلك على أسعار النفط وخلق أزمة اقتصادية عالمية وأخيراً اللجوء إلى سياسة الأرض المحروقة والقيام بحرب مفتوحة من خلال أطراف ووسائل مختلفة في الشرق الأوسط وخارجه ضد الولايات المتحدة ومصالحها.
أضف إلى ذلك أنه إذا كان الخيار العسكري مرفوضاً دولياً فإن خيار العقاب الدبلوماسي والاقتصادي لم يتم الاتفاق عليه بعد كما ظهر في اجتماع موسكو للدول دائمة العضوية في مجلس الأمن ومعها ألمانيا.
صحيح أن التخمينات الغربية والإسرائيلية تتراوح بين عام ونصف إلى ثلاثة أو خمسة أو حتى عشرة أعوام بشأن امتلاك إيران لخيار نووي عسكري لكن التخصيب الحاصل حالياً غير كاف بنسبته للوصول السريع لهذا الخيار مما يعطي فرصة زمنية جيدة نسبياً للعمل الدبلوماسي. السؤال المطروح حالياً هل تبقى استراتيجية حافة الهاوية في لعبة إدارة التوتر المرتفع الحامل لمخاطر التسخين العسكري في أي لحظة أم أن الحوار المنتظر.
وللتذكير كما ذكر رافسنجاني فإن هنالك تجربة ناجحة في »الحوار« الأميركي الإيراني حول أفغانستان وحول العراق في بداية الحرب، هل يكون ذاك الحوار المنتظر بابا »لتبريد مفاعلات« التوتر النووي الأميركي الإيراني باعتبار أن لا مصلحة لواشنطن وطهران في انفجار كلي للوضع العراقي تطال شظاياه بالتأكيد مصالح الدولتين.
هل يكون هنالك قبول قسري من طرف واشنطن بإيران كدولة نووية مدنية مع إبطاء عملية التحول في تخصيب اليورانيوم وإقامة نظام رقابة أكثر فعالية وصرامة لضمان عدم تحول إيران إلى دولة نووية عسكرية.
ما يعقد الأمور الخطاب الأيديولوجي التعبوي الذي يؤبلس الآخر عند أهل السلطة في كل من الدولتين حالياً مما يضع قيوداً صعبة لكنها غير مستحيلة في نهاية الأمر للتطبيع المحدود ولاحتواء الأزمة ومنعها من الانفجار. سؤال ستظهره الأيام المقبلة في ظل انسداد »خيار العصا« العسكرية أو الاقتصادية أمام واشنطن وحاجة إيران الفعلية »للجزرة« الغربية.
هل سـتؤول استراتيجية حافة الهاوية عند كل من الطرفين إلى إقناع الآخر بأن التوصل إلى تفاهمات صامتة هو السبيل الوحيد لعدم حصول الانفجار الكبير في الشرق الأوسط. الانفجار الذي يحمل خسائر للجميع وبالأخص للقوة الفائقة الأميركية وللقوة العظمى الإقليمية .الشيء الأكيد أن العقد المقبل في الشرق الأوسط في ظل كافة المؤشرات القائمة ستحكمه بشكل أساسي علاقات الصراع والتفاهم الأميركية الإيرانية. إذا كان الخيار العسكري مرفوضاً دولياً فإن العقاب الاقتصادي والدبلوماسي لم يتم الاتفاق عليه بعد.
كاتب لبناني