ظهر الثلاثاء الماضي كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس يتحدث في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإسرائيلي شمعون بيريز، ومما ورد على لسان عباس أن «المفاوضات ستستمر لأنها الخيار الوحيد، حتى لو لم نتوصل إلى اتفاق هذا العام». هذا الكلام يعني أن الرئيس الفلسطيني يبدو متشائما من إمكانية التوصل إلى اتفاق خلال هذا العام.

وعند الظهر أيضا هاجم فلسطيني يقود جرافة، سيارات إسرائيلية في القدس، في ثاني عملية من نوعها خلال شهر بعد العملية التي أسفرت عن مقتل ثلاثة إسرائيليين إضافة إلى منفذ العملية.

وليس بعيداً عن موقع العملية كان فلسطينيون يعتصمون في منزل في حي الشيخ جراح في القدس المحتلة، بعد صدور أمر بإخلاء المنزل، وهو واحد من بين 28 منزلا في الحي تحاول جماعة يهودية السيطرة عليها لإقامة مشروع استيطاني يضم 250 وحدة سكنية، ما يؤدي إلى إغلاق القدس العربية بأحياء استيطانية من جميع الجهات.

وفي مساء اليوم نفسه التقيت الدكتور سلام فياض الذي بدا متشائما من الوضع السياسي ككل، وشكك في إمكانية التوصل إلى اتفاق هذا العام، وأورد مثلا عاميا يقول «إذا كنت زيات بيظهر على هدومك».

وأضاف: إذا كان الإسرائيليون معنيين بالسلام فلماذا يقومون بممارسات وإجراءات مناقضة للالتزامات الواجب احترامها؟ ولماذا زادت وتيرة الاعتداءات والاقتحامات في الضفة منذ بدء التهدئة في غزة بنسبة 50 في المئة؟

ويعتقد فياض أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة بالنسبة للمستقبل الفلسطيني، فإذا لم يتم إنهاء حالة الانقسام وانفصال غزة عن الضفة، فإن القضية الفلسطينية مهددة بالاندثار.

ويشرح ذلك بقوله «انفصال غزة خططت له إسرائيل منذ البدء، أي منذ أن طرحت خطة الانسحاب الأحادي من القطاع، وصارت تتحدث عن غزة ككيان منفصل لا التزامات عليها تجاهه، وقررت الانفصال ضريبيا عنه، ومع الأسف جاءت حركة حماس لاحقا وأكدت هذا الانفصال».

ولعل فياض أكثر الفلسطينيين حديثا عن مخاطر ترسيخ الانفصال، فهو يرى أن واقع الانفصال لا يتيح للفلسطينيين تحقيق أي انجاز سياسي، ويتخذه الإسرائيليون مبررا لإبراز صعوبة التوصل إلى اتفاق حول إقامة دولة فلسطينية، فهم يرددون دوما انه من المستحيل إقامة دولة دون أن تقوم السلطة بفرض سلطتها على غزة.

ويطرح فياض رؤيته لإنهاء الانقسام بشكل علمي بسيط، ويقول: لنأخذ المبادرة اليمنية التي أقرت في القمة العربية في دمشق، ونترك المواضيع الخلافية جانبا حتى نبحثها لاحقا، ودعونا نتفق على إقامة حكومة مستقلة تتولى تسيير الأمور، ثم نستدعي قوات عربية لتقوم بدورها في إعادة بناء أجهزة أمنية وفرض القانون بموافقة من حماس وفتح.

وأثناء ذلك نتحاور ونحن في إطار سلطة واحدة بدلا من الحوار في الخارج، وهذا كفيل بإعادة تمتين الموقف السياسي الفلسطيني في مواجهة إسرائيل، لأن إسرائيل عمليا تريد الإبقاء على الضفة الغربية مستباحة لها عسكريا واستيطانيا، وهذا يهدد باندثار القضية برمتها.

كلام فياض لا يختلف عن كلام أبو مازن نفسه، أو كلام أي مواطن فلسطيني، لأن الممارسات الإسرائيلية على الأرض تؤكد ذلك وتثير الإحباط وفقدان الثقة في السلطة نفسها، خاصة العمليات الإسرائيلية المتواصلة في أنحاء الضفة الغربية، وعرقلة جهود السلطة لفرض القانون والأمن في المدن أو المناطق المصنفة «أ»، والتي كان يحظر على الإسرائيليين دخولها قبل الاجتياح في ربيع 2002.

ولعل هذا الإحباط أدى في الضفة إلى ظهور عمليات من نوع جديد، أي عمليات فردية ينفذها فلسطينيون ضد الاحتلال دون توجيه من أي تنظيم، مثل عملية الهجوم على مدرسة يهودية دينية متطرفة في القدس، واستخدام الجرافات في عمليتين، وكلها نفذها شبان من القدس المحتلة.

واستخدام الجرافات في هذه العمليات يعود لكونها عمليات فردية غير منظمة، بل هو رد على الاستخدام المدمر من قبل إسرائيل للجرافات في هدم المنازل العربية في القدس، وإقامة الجدار وتجريف الأراضي واقتلاع الأشجار.

فالإسرائيليون هم أول من استخدم الجرافة في القتل، مثلما حدث مع ناشطة السلام الأميركية راشيل كوري في رفح، حيث قتلتها جرافة عسكرية إسرائيلية وهي تحاول منع الجرافة من جرف وتدمير أرضي ومنازل الفلسطينيين في رفح.

كما أن العمليات الفردية بدأت في القدس، مثل قيام شاب من غزة بحرف مسار حافلة ركاب إسرائيلية وإسقاطها في واد قرب القدس، وقيام شاب آخر بقتل ثلاثة إسرائيليين طعنا بسكين في شارع يافا في القدس. واندلعت الانتفاضة الثانية في القدس، بعد زيارة شارون الاستفزازية لساحة الحرم القدسي والمجزرة التي ارتكبتها قوات الاحتلال إثر صلاة الجمعة بعد يومين من الزيارة.

كما أن العمليات الاستشهادية بدأت في القدس أيضا في أواسط التسعينيات. فالقدس تبقى بارومترا لقياس مستوى التذمر والسخط والإحباط من الاحتلال وسياساته، وردود الفعل عادة تبدأ فردية ثم تتحول إلى عمل منظم لاحقا.

وبعيدا عن هذا وذاك، يحتار حتى كبار الفلسطينيين في تفسير تصريح لرئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، والذي يكرره دوما ويقول فيه «نحن لم نكن في يوم من الأيام أقرب من الآن للتوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين»! هذا الكلام يثير حيرة الرئيس الفلسطيني الذي يجتمع دوريا مع أولمرت، ويثير حيرة المحللين أيضا.

لكن هل ثمة أساس لأقوال أولمرت؟ يعتقد بعض الفلسطينيين أن رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض أحمد قريع ونظيرته الإسرائيلية تسيبي ليفني، يجريان محادثات سرية انتقلت حتى واشنطن، بهدف صياغة ورقة إعلان مبادئ قبل نهاية ولاية الرئيس بوش، وهذه الورقة تحدد خطوط حدود الدولة الفلسطينية وترحل بقية المواضيع إلى مرحلة ما بعد بوش، أي أنها مجرد همزة وصل حتى لا يقال إن المفاوضات التي رعاها بوش فشلت. ويذكر أن قريع هو عراب المفاوضات السرية التي جرت في أوسلو وامتازت بسرية مطلقة إلى حين التوصل إلى اتفاق بشأنها، فهل ثمة طبخة في الأفق؟

كاتب فلسطيني

hafezbargo@hotmail.com