بعد أن انتهت المعركة التمهيدية لانتخابات الرئاسة الأميركية، صارت الأضواء تتركز على شخصية نائب الرئيس الذي سوف يختاره كل من المرشحين، أوباما وماكين، ليخوض معه المعركة الانتخابية. واسم المرشح لمنصب نائب الرئيس يعلن رسميا في المؤتمر العام للحزب، لكن جرت العادة على أن يعلن عنه قبل ذلك بأسابيع.
وعادة ما يستحوذ اختيار المرشح لنائبه على اهتمام كبير، فهو يلقي بظلال مهمة على شخصية المرشح نفسه. فحتى لو كان شخصية سياسية ذات سجل معروف وشغل مواقع أخرى، إلا أن اختياره لمن سيتولى منصب نائب الرئيس هو في الواقع أول قرار مهم يتخذه بعد ترشيحه رسميا، مما يكشف عن قدراته في الحكم على الأمور. لذلك عادة ما يتخذ هذا القرار بعد عملية طويلة من البحث والتقصي تقوم على حسابات دقيقة.
فهذا الاختيار يكون بمثابة رسالة سياسية مركبة. فهي من ناحية رسالة تكشف عن قطاعات الناخبين الذين يسعى لاجتذابهم المرشح، وهي تلقي من ناحية أخرى ببعض الضوء على السقف الذي سوف يحكم قراراته السياسية متى فاز بمنصب الرئاسة.
فالمرشح عادة ما يسعى عند اختيار نائب له إلى إحداث توازن ما. فهو قد يسعى مثلا لإحداث توازن جغرافي، بمعنى أن يختار أحد رموز الجنوب إذا كان هو من ولاية شمالية كما فعل جون كينيدي في 1960 باختيار ليندون جونسون، وحين اختار جون كيري في 2004 جون ادواردز.
وقد يختار المرشح شخصا يختلف عنه من الناحية الأيديولوجية، وهو ما حدث في حالة مايكل دوكاكيس الليبرالي في 1988 حين اختار لويد بنتسن اليميني نائبا له. وقد يسعى المرشح باختياره لنائبه أن يعكس توازنا جيليا، مثلما هو الحال مع بوش الأب حين اختار في 1988 دان كويل الشاب نائبا له. وقد يكون التوازن المطلوب متعلقا بالخبرات، مثلما هو الحال مع بوش الابن حين اختار ديك تشيني صاحب الخبرة الطويلة في مجال السياسة الخارجية والدفاعية.
وقد كان الاستثناء من مسألة إحداث التوازن هذه هي حالة بيل كلينتون في 1992، حين اختار آل غور الذي يشبهه في معظم الاعتبارات المهمة. فكلينتون الجنوبي اليميني الشاب اختار آل غور الذي كان ينتمي للمدرسة الأيديولوجية نفسها وصاحب الخبرة المشابهة، والذي ينتمي لولاية جنوبية أيضا بل ولنفس الجيل.
وقد أقدم كلينتون على هذا الاختيار لأنه قصد توجيه رسالة بعينها، هي التأكيد على أنه يمثل تيارا جديدا داخل الحزب هو تيار اليمين، وبالتالي ينفي عن نفسه صفة الليبرالية التي صارت «اتهاما».
أما في الانتخابات الحالية، ففضلاً عن كل تلك الاعتبارات، هناك اعتبارات إضافية سوف تفرض نفسها، وهي تختلف في حالة أوباما عنها في حالة ماكين.
فبالنسبة لأوباما لعل الاعتبار الأكثر أهمية هو أن يختار من يساعده على دحض «الشبهات» و«الاتهامات» التي تحيط به.
فمن المهم الإشارة إلى أن أغلب استطلاعات الرأي تشير إلى تقدم أوباما على منافسه ماكين، إلا أنه لا يزال مبكرا للغاية اعتبار تلك الاستطلاعات مؤشرا حاسما بشأن نتيجة الانتخابات. ومن هنا فإن أوباما يسعى عموما إلى تجنب كل ما من شأنه أن يعرض تقدمه للمخاطرة.
وهو في الوقت ذاته يسعى لتعظيم فرصه عبر التركيز على قطاعات الناخبين التي لا يحظى بينها بشعبية كافية أو تلك التي لديها شكوك بشأنه. والشكوك المحيطة بأوباما بعضها عنصري مثل «اتهامه» بأنه مسلم يخفي إسلامه. وهو اتهام عنصري كريه لأنه يحول الإسلام إلى «اتهام» في بلد يدين فيه 6 ملايين مواطن بالإسلام، فضلا عن أن هدفه الأساسي هو التشكيك في وطنية الرجل وولائه لبلاده.
وتوجد شكوك أخرى تتعلق بتوجهات أوباما السياسية وما إذا كان ليبراليا، باعتبار تلك تهمة هي الأخرى. وأوباما السياسي الذكي ظل حتى هذه اللحظة يتعمد الغموض في ما يقول، ليمنح لنفسه حرية المناورة.
ومن هنا فإن الأرجح أن اختيار أوباما لنائبه سوف يحمل رسالة أساسية مؤداها أن سياساته الداخلية والخارجية لن تمثل انحرافا راديكاليا عما هو متعارف عليه في واشنطن، ولكن إدارته سوف تكون بمثابة تحول حقيقي في عملية صنع السياسة ذاتها، أي تخليصها من الصراعات السياسية الشرسة التي تؤدي إلى طريق مسدود وتعطل البت في القضايا التي تمس مصالح الناس. ولا بأس من أن يسعى أوباما لشخص ذي خبرة في الشؤون الخارجية، حتى يبدد المخاوف بشأن خبراته في هذا المجال.
أما جون ماكين، فالأرجح أن يسعى من خلال اختياره، لرفع شعبيته من ناحية والتأكيد على قدرته على إنقاذ الحزب الجمهوري من ناحية أخرى. فمشكلة ماكين مركبة، حيث يعاني من نقاط ضعف متعددة. فهو يحمل على كاهله الإرث الثقيل ليس فقط لإدارة بوش، وإنما لأداء الجمهوريين حين تولوا الأغلبية في الكونغرس على مدى اثني عشر عاما اتسمت بالصراع السياسي الضاري مع كلينتون، ثم بالانحناء الكامل لرغبات بوش الداخلية والخارجية.
والرجل مسن ويواجه منافسا في الأربعينات من عمره، فضلا عما هو معروف عنه طوال تاريخه من أنه سريع الغضب يفقد أعصابه بسهولة. وفي ظل تدهور الأحوال الاقتصادية، يحتاج ماكين الذي قال صراحة انه «لا يفهم في الاقتصاد» أن يؤكد للناخب أن بجانبه من يفهم فيه!
ولكن إلى جانب كل ذلك، يعاني ماكين من مشكلة بالغة الخطورة وهي أنه لا يحظى بشعبية في أوساط قواعد الحزب، التي إذا لم تتحمس له يوم الاقتراع العام فسوف يخسر الانتخابات بفارق مهين. ولكنه إذا ما بالغ في استمالتها قد يخسر المستقلين، بل والمعتدلين داخل وخارج حزبه. ومن هنا، فإن مهمة ماكين الصعبة ستكون إحداث التوازن الدقيق بين الاعتبارات السابقة كلها.
وفي كل الحالات يظل من المهم القول إن اختيار نائب الرئيس، سيؤثر على الأرجح هذا العام على قرار الناخبين بدرجة أكبر من أية انتخابات سابقة. فالنفوذ المذهل الذي مارسه ديك تشيني في عهد بوش والذي أحيط بالسرية في معظم الأحوال، من شأنه أن يدفع الناخب لوضع هذا الموضوع ضمن الاعتبارات المهمة التي يتخذ قراره بناء عليها.
كاتبة مصرية