«قرار من رئيس الجمهورية، بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية، شركة مساهمة مصرية».. بهذه الكلمات القليلة والحاسمة في خطابه إلى جماهير الإسكندرية في السادس والعشرين من يوليو عام 56، أطلق الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر في أوساط الشعب المصري والعربي شلالا من الفرح وموجات عارمة من الحماس.

وأحدث بهذا القرار في الدول الأفريقية والآسيوية التي كانت تناضل ضد الاستعمار الإنجليزي والفرنسي، مدا تحرريا هائلا من المقاومة الوطنية سعيا للحرية يشبه الطوفان.. بينما كان وقع هذا القرار في عواصم الدول الاستعمارية الغربية، وخاصة في تل أبيب ولندن وباريس، يفوق وقع الصاعقة ويشبه مفاجأة الزلزال.

لم يكن مجرد قرار في لحظة انفعال جارفة دون مقدمات، ولم تقاتل مصر من أجل تحقيقه دون نتائج.. ولم يكن مجرد رد فعل طائش أراد به الرجل رد الإهانة الوطنية التي أحدثها القرار الغربي غير المحسوب، برفض تمويل مشروع السد العالي الذي كانت آمال مصر معلقة عليه لبناء التنمية الوطنية..

بل كان في الواقع أخطر القرارات وأكثرها جسارة في تاريخ العرب الحديث، بما أحدثه ذلك الزلزال الكبير من توابع زلزالية أكبر بكثير، ساهمت في تغيير معادلات القوى بين المستعمِرين الذين يملكون جبروت القوة العسكرية، والمستعمَرين الذين لا يملكون إلا قوة الإيمان بالحق والإرادة لاستعادة الحق والحرية والكرامة الوطنية لصالح المقاومين الأحرار.

وبعد.. هل كان القرار الزلزال مجرد مغامرة غير محسوبة عرضت مصر للحرب؟

إن قرارا بهذا الحجم الزلزالي لم يكن لأي قلب مهما بلغت جسارته ولا لأي رجل مهما بلغت شجاعته، مجرد التفكير في اتخاذه في ظل موازين القوى غير المتكافئة، لولا أن هذا القلب فاض بما يختزنه من آلام الشعب المصري، ولولا أن الرجل كان في تلك اللحظة التاريخية أصدق تعبيرا عن آمال الشعب المصري..

لقد كان في الواقع مخاطرة لا مغامرة، ولكنها مطلوبة طالما كانت قلوب هذا الشعب تؤمن عن يقين بالله رب العالمين وبحقها في القناة والحياة، وعقوله تدرك عن يقين أن الله هو الأكبر من كل كبير والأقوى من كل قوي، وأنه الناصر للحق إذا صمم أصحاب الحق على استعادته من الغاصبين.

ويكفي أن نتذكر أن الشعب المصري ضحي قسرا بـ 120000 مواطن من أبنائه الفلاحين المساكين سيقوا بالسخرة وبقهر جنود الاحتلال لحفر القناة، وروت دماؤهم وعرقهم أرضها ومياهها، لينعم أولئك المستعمرون بعوائدها وخيراتها وليقيموا بشركتها العالمية على أرضنا دولة أجنبية داخل الدولة.

ومن حولها قاعدة عسكرية لجيش الاحتلال لوضع اليد وفق اتفاق باطل تحت الإذعان بالقوة، ومن اختلط عرقه ودمه بمياه القناة لحفرها هو المالك الحقيقي لها، ولم يكن ليتردد في الدفاع عما يملك بالمزيد من العرق والدم، لأنه لا ثمن لقناة السويس يمكن أن يكون أعلى من العرق ولا أغلى من الدم.

في النهاية.. من يعرفون المقدمات ويرصدون النتائج، ومن يؤمنون بحق الشعوب في النضال لنيل حريتها واستخلاص حقوقها وكرامتها الوطنية، وبواجبها في التضحية مهما غلت لمقاومة الظلم مهما بلغ من جبروت القوة، لهم رأي آخر تؤكده الوثائق التاريخية، وتشهد به الحقائق والمتغيرات على الأرض بخرائطها الجغرافية والسياسية والإستراتيجية.. والاقتصادية أيضا.

لقد اندحر العدوان.. وبقيت أعلامنا مرفوعة فوق القناة!

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com